تسعى المجتمعات جاهدة الى احلال قيم المدينة وبناء المنظومة القيمية على اساس قانوني يحترم فيه الجميع وتسود فيه العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ويشعر فيه الانسان بالأمان والاستقرار .
ان البداوة مرحلة بدائية من مراحل تطور الشعوب والمجتمعات وقد تجاوزتها الى افق يسمح لها ببناء دولها على مبادئ الديمقراطية وقيم المدينة .
إلا ان ما نلحظه في مجتمعنا العراقي اننا تراجعنا من المدينة ــ التي سادت العقود الاولى للقرن الماضي ــ الى البداوة فقد تمددت مساحة التبدي على المدينة ، وعفست اقدامها مظاهرها الجميلة ، ولم يعد من السهولة ان نلمس حدوداً فاصلة بين البادية والمدينة ، فامتزجت مظاهرها وتحولت مدننا الى قرى حيث المشايخ والمضايف والفصول والعطوات .
في تاريخنا المعاصر تعرض العراق الجنوبي الى اهتزازات اجتماعية واضحة يمكن ايجازها بالتالي :
اولها : ما تعرض له من فيضانات في ثمانينات القرن الماضي ، والذي دفع الكثير من عشائر الارياف الى النزوح باتجاه المناطق الامنة ، واستقر اغلبهم بشكل جماعي في مناطق متاخمة للمدينة ، ثم ما قام به النظام السابق من تجفيف الاهوار وترحيل اغلب اهلها الى مناطق المدينة ليكونوا تحت اعين ومراقبة اجهزة النظام ولعل هذه تعد الهجرات الاولى والنزوح الجماعي الى المدينة .
وثانيها : احداث عام 1990 م ودخول الكويت ، وعودة الغير مجنسين من الكويت الذين عرفوا ( بالبدون ) ونتيجة لما كانوا يتمتعون به من اموال وما حصلوا عليه من الكويت فقد سكنوا المدن واشتروا افضل المنازل بأهم مناطق المدينة بلحاظ الاختلاف القيمي بين النازحين من الكويت وبين قيم المدينة العراقية الجنوبية . وهذه شكلت الهجرة الثانية الجماعية لدعس مظاهر المدينة وسحق معالمها .
ثالثا : الهجرة ابان سقوط نظام البعث عام 2003 م حيث ترك اغلب اهل القرى والأرياف وأهل البادية اماكنهم لينزحوا اتجاه المدينة ، ولإهمال الريف اولاً من قبل السلطة ، ووجود فرص عمل كالتطوع في الجيش والشرطة ، وثانياً السكن في المدينة ، وكانت تشكل هجرات جماعية مهمة عفست ما بقي من مظاهر المدينة وداست بإقدامها على آخر انفاس التحضر .
اغلب هذه الهجرات سكنت اطراف المدن وبنت لها مناطق خاصة بها وتوزع قسم اخر في أنحاء مختلفة من المدينة وسكن قسم منها في ( العشوائيات ) او ما تسمى بـ ( الحواسم ) وصار احتكاكها بالمدينة احتكاكاً يومياً وما يترتب على هذا الاحتكاك من علاقة بين السكان وما يحدث جراء ذلك من مشكلات تتطلب حلا فكانت على الاعم الاغلب ان يكون الحل بيد الاعراف المتمددة على مساحة المدينة بعد النزوح المتكرر .
ثمة مسألة مهمة يجب الانتباه اليها ، ان المدينة تعتمد في تنظيم علاقاتها فيما بينها على القانون ، فعندما يضعف القانون وتتراخى اجهزته عن التنفيذ تسود الاعراف والعادات ، وينشط دور المشايخ والسنن العشائرية حتى تطغى وتتحكم بالمصائر ، ومعلوم لدى الجميع ان الاعراف تخضع للأمزجة وتتداخل فيها عناصر القوة والتحكم وتكون الغلبة فيها للكثرة وتطبق سننها بشكل تعسفي .
هذه الاعراف صاحبت الانزياح البدوي نحو المدينة وحسرت المدينة بقيمها في خانة الضعف ، مما دفع المدنيون الى محاولة ايجاد ادوات الدفاع عن انفسهم باتجاه الغزو القيمي / البدوي / الريفي ، فأوقعهم ذلك في الخطأ الكبير ، فبدلاً من الامساك بما هو متبق لديهم من مظاهر وقيم ، فقد تنازلوا عنها الى القبيلة واخذ كل منهم يسعى للبحث عن عشيرته ويدني شيخها ويقربه ، ويعقد له الولائم فضلاً عن ذلك فقد صار يتعامل بـ ( العطوة ) و ( الكوامة ) ( والفصل ).
فكانت بحق رصاصة الرحمة التي اطلقت على اخر ما تبقى من الشعور المدني ، وصارت القوة والتهور هي اساس الغلبة والانتصار ، وتحولت ساحة المدينة الى صراع الاضداد ، وتناحر العشائر وصار شيوخ العشائر قادة ميدانيين في الفصل بين المتخاصمين داخل المدينة ، والتحكم في مصائر الناس حتى تحولت المشيخة الى سلطة يتصارع عليها ابناء العمومة مما دفع الى انقسام الناس على تلك الشخصيات وزادت الكراهية وعمت الفوضى . وصار العراق يعاني كثرة السلطات المتحكمة ، فسلطة الحكومة المتراخية امام الاعراف ، وسلطة العرف والمشايخ ، وسلطة رجال الدين وسطوتهم الافتائية ، وسلطة السيد ( الهاشمي ) المساند للأعراف كونها تمنحه سلطة التقديم والاحترام وضاعت هيبة الانسان وكرامته وديست المدينة بإقدام العرف .
لسنا ضد نزوح أبناء الريف إلى المدينة وليست المدينة حكرا لأحد وطالما رفد الريف العراقي المدينة بالطاقات والابداعات سواء على مستوى الادب والفن والسياسة وشتى انواع الثقافة .. وكان الرافد الريفي يأتي بشكل تدريجي وبعمليات تقطير .. إذ يتحول ابن الريف النازح نحو المدينة بما يحمل من ابداع الى رجل مدني اذ تؤثر فيه قيمها وحضارتها فيندمج فيها كونه فردا لا يؤثر بل يتأثر .. أما ما تحدثنا عنه فهو نزوح جماعي اثر ولم يتأثر .

