إحسان عبد القدوس صديق الثورة المخلص ومرآتها الناقدة

إحسان عبد القدوس صديق الثورة المخلص ومرآتها الناقدة
 كان الكاتب الروائي المصري إحسان عبد القدوس [ت: 1990م] أحد المقرَّبين إلى كبار شخصيات النظام الحاكم عقب ثورة يوليو 1952م، بل شارك أيضًا في اجتماعاتهم قبل الثورة، وساعدهم من خلال نشر وثائق ومعلومات مهمة، أفادتهم في القيام بعملياتهم التي تُوِّجت بنجاح الثورة واعتلاء قمَّة السُّلطة، وقد ذكر إحسان عبد القدوس في مذكراته التي نشرها سنة 1981م، كثيرًا من التفاصيل...

كان الكاتب الروائي المصري إحسان عبد القدوس [ت: 1990م] أحد المقرَّبين إلى كبار شخصيات النظام الحاكم عقب ثورة يوليو 1952م، بل شارك أيضًا في اجتماعاتهم قبل الثورة، وساعدهم من خلال نشر وثائق ومعلومات مهمة، أفادتهم في القيام بعملياتهم التي تُوِّجت بنجاح الثورة واعتلاء قمَّة السُّلطة، وقد ذكر إحسان عبد القدوس في مذكراته التي نشرها سنة 1981م، كثيرًا من التفاصيل حول دوره في هذه الثورة وعلاقته بقياداتها، ومع ذلك نجده في رواياته محاربًا صلبًا لهم، يفنِّد أخطاءهم، وينقد مساوئهم، ويطالبهم بتصحيح أخطائهم، فهو رغم صداقته لهم؛ لا يتملُّقهم ولا يداهنهم ولا يجاريهم فيما يرى أنه تجاوُزٌ أو تقصيرٌ أو إهمالٌ، ولا يستغل علاقته بهم في البحث عن منصب أو ثروة؛ بل ينظر إليهم بعين الناقد البصير والمتابع الخبير، وقد كتب رواياتٍ كاملةً في نقدهم؛ منها: رواية “يا عزيزي كلنا لصوص”؛ التي يتناول فيها شخصية (مرتضى عبد السلام السلاموني) الشاب المدلَّل ابن أحد أفراد الطبقة الحاكمة؛ حيث «كان أبوه يتولى تصفية قصور وأملاك العائلة المالكة، وبهرته الحليُّ التي عثر عليها، وحمل كميَّة منها ليعرضها على رئيسه، وبُهِر بها الرئيس أيضًا، وعندما همَّ والده أن يجمعها ليعود بها إلى خزائنها؛ مدَّ الرئيس يده إلى قطعةٍ منها قائلًا في سعادة: اترك هذه هنا يا عبد السلام؛ وتركها عبد السلام، وخرج وهو يؤمن بشعارٍ جديدٍ أعلنته الثورة؛ شعار يهتف: (إن كل ما كانت تملكه العائلة المالكة أصبحت تملكه عائلة الثورة)، وبدأ بتطبيق هذا الشعار على نفسه».

ويرى عبد القدوس أن مظاهر التَّرف وغيره من أسباب الفساد، قد انتقلت مع انتقال السلطة من العهد القديم إلى العهد الجديد؛ انتقلت من طبقة الحكام المخلوعة إلى طبقة الحكام الجُدُد، وانتقلت بطريق الغلول والاستئثار؛ فهو يريد أن تسلك الطبقة الحاكمة الجديدة مسلكًا صحيحًا، مختلفًا عن مسلك النظام الذي تم إسقاطه، وليس بالضرورة أن يكون مضمون الرواية أمرًا جرى على أرض الواقع؛ فربما كانت الرواية تحمل نقدًا استباقيًّا، وربما كانت تتناول أمورًا شبيهة بالواقع الفعلي، وربما تناولت الموضوع بشكلٍ مطابِقٍ كما وقع؛ المهم أن عبد القدوس في هذه الرواية يمارس النقد السياسي نحو طبقةٍ اعتلت رأس السُّلطة، وله مِن بينهم أصدقاء مقربون، وهذا يُحسَب لعبد القدوس.

وفي سبيل هذه المهمة النقدية يسرد عبد القدوس في روايته المذكورة عددًا من وقائع الفساد التي شاهدها (مرتضى السلاموني) في بيت أبيه وهو طفلٌ صغيرٌ، وقد ساهمت هذه الوقائع في تشكيل شخصية مرتضى؛ الذي «فوجئ وهو في العاشرة من عمره بطاقم من الأثاث المذهب الضخم يدخل بيتهم ويُرَصُّ في حجرة الجلوس، رغم أنها كانت أضيق من أن تتَّسع له، وسأل أباه مندهشًا: هل اشتريناه؟ فقال أبوه ضاحكًا في زهوٍ: هذه هي المقاعد التي كان يجلس عليها الملك، نحن الآن الملوك، كل ما كان لِلملك أصبح لنا، نحن رجال الثورة، نحن الشعب..»، ويمضي عبد القدوس في سرد المزيد من الوقائع؛ فيكشف أن ذلك الأب العضو في هيئة النظام الحاكم قد اشترى النجاح لابنه مرتضى؛ الذي «لم يكن يذاكر، وفي كل امتحان كان يجد أستاذًا يقف بجانبه ويعطيه كل ما يتطلبُّه النجاح… ثم أرسله أبوه بعد التخرج في كلية الزراعة، إلى موسكو، فنال شهادة الدكتوراه، وعاد وهو أقوى إحساسًا بأنه ابن ملِكٍ».

وهذه الرُّؤية النقدية من إحسان عبد القدوس توضح جانبًا من استغلال النفوذ الذي كانت تمارسه الطبقة الحاكمة الجديدة، التي ثارت على النظام القديم من أجل ذلك السبب ذاته، كما تكشف أيضًا هذه الرُّؤية عدم اهتمام بعض أقطاب ذلك النظام الجديد بالعلم؛ وتركيز اهتمامهم على الجاه والسلطان والمال، حتى اضطروا إلى شراء الشهادات العلمية ليُكمِلوا بها وجاهتهم، ولا سيَّما أنهم يجدون من يعاونهم في الحصول على تلك الشهادات ويمنحها لهم بغير استحقاق، وهم يظنون أن تلك الجهات المانحة تساعدهم من أجل مصالحهم؛ بينما الواقع أنها تساعدهم في تدمير أنفسهم وبلادهم، لذلك وصفهم عبد القدوس في  رواية أخرى -بعنوان “حتى لا يطير الدخان”- بأنهم «أغلبهم محدود المعرفة، لم يقرأ أكثر من مقررات المدارس، ولم يرَ من المعالم أبعد من مقر بيته ووظيفته، وهم يبهرون بالعلم، يبهرون بالمعرفة، وهم محرومون من تقاليد موروثة، ويبهرون بكل ما يفرض عليهم تقاليد جديدة»؛ وذلك في سياق حديثه عن الصراع الدائر فيما بين أفراد الطبقة الحاكمة؛ فكلٌّ منهم يتربَّص بالآخر حتى يتخلص منه أو يقلِّص نفوذه، فكان ذلك الخوف من الصراع السياسي يسيطر على (فهمي) بطل هذه الرواية، ويدفعه إلى كثرة الاحتياطات التي يحمي بها نفسه من ذلك الصراع؛ وكان قد «تلقَّى اتصالًا من (خليل الغمري) يطلب حضوره، فذهب إليه، واستقبله خليل بترحاب كبير، ثم عرض عليه منصب وزير في التشكيل الجديد، لكنه اعتذر معلِّلًا بأنه لا يحب أن يكون وزيرًا ولا يصلح للوزارة، فقال له خليل: يبدو أنك نَبِيه؛ فأنت تعلم أن كل وزير لا يلبث أن يكون وزيرًا سابقًا، إنك رجل تفكر في مستقبلك».

فقد كان فهمي شديد الذكاء حين رفض الوزارة؛ لأنها تعني الانضمام إلى تيَّارٍ بِعَينِه، قد يطيح به تيَّارٌ آخر يومًا ما، وذلك من خلال التجارب التي عاينها بنفسه.

ونلاحظ أن إحسان عبد القدوس لا يكتفي بنقد الأعمال السياسية لهذه الطبقة أو طريقتهم في الإدارة ونحو ذلك؛ بل إنه يتسلَّل إلى حياتهم الخاصة؛ إذْ يقول عن أحد كبارهم: «وقرر البرنس أن تقيم زوجته الجديدة في الشقة العليا بعمارة الزمالك، فوق الغرزة التي يقضي فيها سهراته؛ إنها في موقع لا يمكن أن يخطر على بال أحد أنه يتردد عليه أو أن له زوجة تقيم فيه، وقد كان من عادته أن يقضي سهرات الليل وهو متخفٍّ في زيٍّ بلديٍّ -جلابية ومعطف- وليس معه إلا حارس واحد يصاحبه كصديق، ومنذ بدأ يتردد على غرزة الزمالك وهو يعتقد أن لا أحد اكتشف أمره».

يؤكد عبد القدوس في نقده أنَّ التنافس السياسي بين أفراد تلك الطبقة جعل كلًّا منهم يتربَّص بالآخر ويتصيَّد له الأخطاء، وكل فريق منهم يحتاط لأمره ويعتمد مبدأ السِّرِّيَّة والتَّنكُّر والتَّخفِّي حتى يفوِّت الفرصة على الآخر، ويعتقد أنه أفلح في ذلك، بينما أمره مفضوح لدى خصومه؛ لأنهم يفعلون مثله أيضًا ويعرفون أساليبهم تلك التي يتَّبعونها.

ونلاحظ أن النقد السياسي عند إحسان عبد القدوس كان جادًّا ولاذعًا، وكان يصرِّح في رواياته السياسية بذِكر أسماء الرؤساء الذين ينقدهم؛ كالملك فاروق والرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، كما أنه يصرِّح تصريحًا واضحًا بما يريد أن يقول، وكثيرًا ما يُضَمِّن رواياته رأيه الخاص، فيكتبه ضمن نبذة تمهيدية أو يذكره ضمن حوارٍ على لسان إحدى شخصيات الرواية، مستخدمًا أسلوب الالتفات أو نحوه من أساليب البلاغة التي يتبين منها أن كلامه في ذلك الموضِع هو رأيٌ له؛ ومن ذلك قوله: «إن هذه البلد تقوم فيها فعلًا “مافيا” رسمية من كبار الموظفين والمسؤولين».

وتكمن القيمة الأدبية لهذا النقد الذي مارسه إحسان عبد القدوس بهذا الأسلوب؛ في وعيه بدور الأديب تجاه قضايا عصره، أما الأديب الذي يداهن ويراوغ بِهدف الحصول على منصب أو جائزة أو نحو ذلك فإنه يحكم على نفسه بالموت أدبيًّا مع نهاية النظام الذي يداهنه؛ لأنه حينئذٍ لن يكون أديبًا بحقٍّ؛ بل هو صنِيعة مسخرة لِنظام ما، ولن يزيد عمرها على عمر ذلك النظام، كما هو واضح من استقراء التاريخ على مرِّ العصور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *