تقوم الروايات أحيانا بنبوءات أدبية علمية حول المستقبل، بغض النظر عن تحقّق النبوءة أم لا، والسؤال الذي يُطرح: هل تلك النبوءات مجرد تخمينات مُفترضة؟ أم رؤى مُتيقنة؟ أم إنها أدلة على أن الخيال الأدبي الإبداعي يمكن أن يكون نبوءة؟ !
من خلال التجارب الروائية التي نُشرت مسبقا، يمكن استكشاف ظاهرة التنبؤ الأدبي للمستقبل، إذ إنّ بعض التنبؤات تكون دقيقة بشكل لافت: ففي رواية رحلات غاليفر، نقرأ أن كوكب المريخ لديه قمران، مع أن اكتشافهما لم يحدث إلّا بعد قرن ونصف من نشر الرواية.
وقد شهد أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تأملات عميقة في طبيعة الزمن، على يد أينشتاين وبروست؛ لكن قبل أيٍّ منهما، كان هـ. ج. ويلز يفكّر في إمكانية السفر عبر الزمن.
والأكثر إثارة للدهشة هو استبصار إدغار آلان بو؛ لنظرية الإنفجار العظيم، وهناك العديد من الأمثلة على روايات حاولت تخيّل المستقبل، ونجح بعضها أكثر من غيرها.
تُعدّ رواية (1984) لجورج أورويل، والتي لا تزال تُعد نبوئية برؤيتها لدولة شمولية، تراقب مواطنيها عبر تقنيات الاتصال الجماهيري والترفيه، إذ مُنحت هذه الرواية عبارة “الأخ الأكبر يراقبك”، وحتى إن كانت هذه العبارة اليوم تُذكّرنا ببرنامج تلفزيوني أكثر من تذكيرها بالقمع السياسي، فإن هذا ربما يعزز أهمية رسالة أورويل.
وتُعتبر رواية “عالم جديد شجاع” لألدوس هكسلي رواية نبوئية أيضًا، من حيث توقعها لتقنيات الإنجاب الصناعي، بينما اشتهرت روايات هـ. ج. ويلز بتنبؤها بالاختراعات، مثل السفر إلى الفضاء والطاقة النووية، بل وهناك تقنيات لم تتحقق بعد، مثل السفر عبر الزمن أو الاختفاء.
إنّ محاولات الروائيين لتخيّل المستقبل أقدم بكثير من ذلك، فأحد الكتب بعنوان “العام 2440”، نُشر سنة 1771، ألّفه لويس-سباستيان ميرسييه، ويحكي عن شخص ينام ثم يستيقظ في باريس المستقبل؛ ليجد حكومة جيدة، ومجتمعًا منظمًا وعقلانيًا ينعم بالسلام، بمعنى آخر، إنها رواية يوتوبية، تتميز بأنها لا تتخيل المجتمع المثالي في مكان بعيد أو خيالي (كما في الروايات السابقة)، بل تضعه في المستقبل، كشيء نتجه نحوه، ونطمح إليه.
كانت رواية ميرسييه من أكثر الكتب مبيعًا في زمنها، إذ افتتحت تقليدًا طويلًا من التصوّرات المستقبلية اليوتوبية، بعضها كُتب كروايات، مثل رواية “ العودة إلى الوراء” لإدوارد بيلامي، والتي نُشرت أول مرة عام 1888 وحققت نجاحًا ساحقًا.
أما البعض الآخر، فكان أشبه بمخططات جادّة لمجتمعات مثالية، مثل أفكار شارل فورييه، الذي اعتقد بوجود 810 نوعًا من الشخصيات البشرية، بحيث ينبغي أن تتكوّن “المجتمع المثالي” الذي تخيّله — والذي سماه بـ”الفالانستير” — من 1620 شخصًا (ذكر وأنثى من كل نوع).
لكن هذا بالطبع لن يكون فكرة المجتمع المثالي بالنسبة للجميع، وقد جعلتنا محاولات القرن العشرين لبناء مجتمعات “ منظمة عقلانيًا”، كما في روسيا أو ألمانيا، ندرك بوضوح مخاطر الشمولية، وخطر التقدم التكنولوجي نفسه.
ولهذا، فإن كتابات مثل روايات هكسلي وأورويل، رغم طابعها النبوي، جاءت في نهاية تقليد طويل؛ لكن بخلاف اليوتوبيات السابقة، فإنها تقدم رؤى ديستوبية.
ومع ذلك، فإننا لا نزال – عند تخيّل مستقبل خيالي – ميّالين إلى اعتبار التكنولوجيا معيارًا للتقدم، فالتكنولوجيا هي مقياس التطور، والذي بدوره يُعدّ مقياسًا للزمن.
يُذكر الكاتب جول فيرن غالبًا على أنه صاحب رؤية تكنولوجية، رغم أن الغواصات والمنطاد التي تخيّلها كانت في الحقيقة امتدادًا لتكنولوجيا عصره، أما تصوراته للسفر إلى الفضاء – مثل إطلاق مركبة إلى القمر بواسطة مدفع ضخم – فقد كانت مستندة إلى أفكار معاصرة له، لكنها بدت نبوءة دقيقة من ناحية أخرى:
فرحلته القمرية المكونة من ثلاثة أشخاص، كما وردت في روايته “من الأرض إلى القمر” (1865)، تُطلق من فلوريدا – تمامًا كما حصل في مهمة أبولو بعد نحو قرن من الزمن.
الخيال العلمي:
أما الكاتب الأمريكي هيوغو غيرنزباك، فيُنسب إليه (أو على الأقل يُعتقد أنه) من صاغ أو نشر مصطلح (الخيال العلمي)، بل وسُميت جائزة Hugo للخيال العلمي باسمه.
في روايته لعام 1911، “ رالف 124C 41+” – والتي تدور في عام 2660 – نجد سيارات كهربائية، وهواتف مرئية مزودة بترجمة فورية، وآلات إملاء تعمل بالتفكير، وغير ذلك من العجائب.
واللافت في كثير من الروايات المستقبلية اليوتوبية أنها غالبًا ما تكون مُمّلة، فالروايات تحتاج إلى مشكلات وكوارث وأمور تسير بعكس المتوقع، كما أنها تحتاج عادة إلى شخصيات فيها عيوب وطباع غريبة، وليس آلات مثالية أو مخترعين عباقرة فقط؛ لذلك، نحن نميل إلى تذكّر وإعادة قراءة الرؤى المستقبلية الديستوبية أكثر من نظيراتها اليوتوبية.
فعلى سبيل المثال، يصل مسافر الزمن في رواية هـ. ج. ويلز إلى مجتمع يبدو مثاليًا، إلى أن يكتشف وجود المورلوكس المرعبين الذين يعيشون تحت الأرض.
التفسيرات الروحية للتنبؤات الأدبية:
في عام 1884، نشر الجنرال أ. و. درايسون، أستاذ في الأكاديمية العسكرية الملكية في وولويتش، مقالة بعنوان “حلّ المشكلات العلمية بواسطة الأرواح”.
قال فيها: “ في عام 1858، استضفت سيدة كانت وسيطة روحية، وكنّا نجري جلسات تحضير أرواح يوميًا، وذات مساء، قالت إنها ترى روحًا تقف بجانبي وتزعم أنها كانت فلكيًا أثناء حياتها على الأرض. سألت تلك الروح: هل أصبحت أكثر حكمة الآن مما كنت عليه في حياتك الأرضية؟ فأجابت: ‘أجل، كثيرًا.”
عندها خطرت لي فكرة: أن أطرح على هذا الكيان الروحي سؤالًا لاختبار معرفته، وقد استمر درايسون في استغلال “ قناته” مع العالم الآخر، فكان يطرح أسئلةً فلكيَّةً عديدة على الروح عبر الوسيطة، وزعم أنه علم بوجود قمرين للمريخ من هذه الجلسات، قبل 18 عامًا من اكتشافهما العلمي الرسمي.
ومن المثير للسخرية، أن درايسون لم يكن يعلم أن سويفت سبقه إلى ذلك بكثير، لكنه بلا شك كان سينسب الأمر لنفس السبب الروحي.
ولم يكن درايسون هو الفيكتوري الوحيد، الذي كان يمزج بين العلم والروحانية؛ فهناك شخصيات بارزة مثل: أوليفر لودج، الذي ساهم في تطوير نظرية الكهرومغناطيسية، وويليام كروكس، رائد أنابيب التفريغ.
عندما رأى كروكس توهّجًا غريبًا داخل أحد أنابيبه الكهربائية، لم يدرك أنه ابتكر مقدمة لأجهزة مثل الإضاءة الفلورية أو الأشعة السينية أو حتى التلفاز؛ بل ظن أنه ربما وجد تفسيرًا علميًا للـ(أشباح).
وهكذا، وعلى الرغم من أن درايسون لم يكن يعبر عن رؤية سائدة، فإنه لم يكن يُعدّ مجنونًا بالضرورة في زمانه.
إن التنبؤات، بطبيعتها، لا تبدو مذهلة إلّا بعد تحققها – أي عندما نصبح قادرين على إجراء “ تنبؤات عكسية”، فنختار النجاحات ونتجاهل الإخفاقات.
في نفس المقطع من “ رحلات غاليفر” ، يقول سويفت إن “ الفضيلة المغناطيسية لا تمتد لأكثر من أربعة أميال” – وهي نبوءة فاشلة لا يتذكّرها أحد.
أما قمرا المريخ، بفتراتهما المدارية الدقيقة نسبيًا، فظلّا يثيران الدهشة، لكن ما يجعل القصة أكثر إثارة هو أن قمرَي المريخ قد ورد ذكرهما أيضًا في عمل أدبي آخر من القرن الثامن عشر، وهو كتاب “ ميكروميغاس” لـفولتير، نُشر سنة 1752.
يتخيّل الكتاب رحلة فضائية يقوم بها عملاقان من كواكب أخرى، وجاء فيه:
“غادرا المشتري، وقطعا مسافة تُقدّر بمئة مليون فرسخ، إلى أن بلغا كوكب المريخ، الذي، كما هو معلوم، أصغر بخمس مرات من كوكبنا؛ وهناك شاهدا قمرين يرافقهما، لم ترصدهما بعد تلسكوباتنا الأرضية.”
ويبدو أن فولتير كان متأثرًا بوضوح بسويفت؛ فـ”ميكروميغاس” يُعدّ نوعًا من “ رحلات غاليفر في الفضاء”، حيث يستخدم اختلاف الأحجام والنسب لأغراض ساخرة، وبالتالي، من المرجح أن فولتير استقى فكرة القمرين من سويفت، لكننا لا نزال أمام السؤال:
لماذا خطر لكاتبين في القرن الثامن عشر أن يفترضا وجود قمرين للمريخ؟
هذه النبوءات وغيرها، محطّ اهتمام القرّاء، للروايات العلمية، بوصفها روايات تتنبأ بما سيقدّمه المُستقبل، وما ستؤول إليه الأيام القادمة من ثورة علمية هائلة، من شأنها أن تُقدّم تغييرا شاملا في حياة الإنسان.
(روائي ومتخصص بالفيزياء. اسكتلندا)
