شكّلت العلاقة بين إيران والكيان الصهيوني واحدة من أكثر العلاقات تقلبًا في الشرق الأوسط، حيث انتقلت تلك العلاقة من مرحلة التحالف في فترة الشاه، إلى مرحلة العداء الأيديولوجي ما بعد الثورة أو ما يمكن أن نطلق عليه مرحلة “العدو المفيد”؛ حيث كان كل طرف -رغم عدائه المعلن للآخر- يستفيد من وجود الآخر ويعيد توظيفه كعنصر تعبئة داخلية، وأداة لدفع مشاريعه الإقليمية والدولية قدمًا، لتصل تلك العلاقة إلى ما يمكن تسميته اليوم بـ”المواجهة الوجودية”؛ المواجهة التي تتلبّس بطابع وجودي، يبرز فيها وجود الدين والتاريخ والأيديولوجيا بقدر ما تحضر فيها الاستراتيجيات والصراعات والمصالح، هذا التحوّل ليس مجرد تطور لغوي في الخطاب السياسي، بل تغييرًا استراتيجيًا عميقًا في العقيدة الأمنية لكل من الطرفين.
الأيديولوجيا بعد الثورة:
منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، دخلت طهران وتل أبيب في حالة صراع مفتوح. ورغم عمق التناقضات بين الطرفين، إلا أن هذا العداء العلني تخللته ديناميكيات معقدة جعلت من كل طرف “عدوًا مفيدًا” للطرف الآخر؛ يعزز من شرعيته، ويبرر سياساته الداخلية والخارجية، ويعيد ترتيب تحالفاته.
من العداء العقائدي إلى التوظيف الاستراتيجي
منذ انتصار الثورة في إيران، تبنّى النظام الجديد شعار “الموت لإسرائيل”، بوصف الكيان الsهيوني امتدادًا للاستعمار الغربي، وغدة سرطانية في جسد الأمة الإسلامية. لم يكن هذا العداء شكليًا، بل تحوّل إلى ركيزة في الهوية السياسية والعقائدية للجمهورية الإيرانية.
في المقابل، أدرك الكيان الsهيوني مبكرًا أن صعود دولة ذات طابع ثوري معادٍ له، في قلب العالم الإسلامي، يشكل خطرًا على تفوّقه الاستراتيجي. لكنه في الوقت ذاته، وجد في هذا العداء فرصة لتبرير مواقفه العسكرية وتحالفاته الإقليمية مع أنظمة تخشى “التمدد الإيراني الشيعي”، ما جعله يحوّل هذا العداء إلى عنصر تعبئة على الصعيد الداخلي وحشد ودعم على الصعيد الدولي.
إيران وتوسيع النفوذ عبر شعار “محو إسرائيل”
استثمرت طهران الصراع مع الكيان الصهيوني لتعزيز نفوذها في المنطقة. حيث قدمت نفسها -عبر دعمها لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين واليمن والعراق وسوريا- كقوة إقليمية تتصدى لما عجزت عنه الأنظمة العربية. وقد مكنها هذا التوظيف من بناء شبكات تحالف تحت راية “المقاومة”، وتبرير تدخلها في عدد من الساحات كسوريا والعراق واليمن، واحتواء الأزمات الداخلية عبر تحويل التركيز نحو العدو الخارجي “الصهيوني”.
لكن اللافت أن طهران، رغم خطابها الثوري، ظلت تضبط إيقاع المواجهة، بحيث لا تنفلت إلى حرب شاملة، مما يكشف عن وعيها بحساسية التوازنات الدولية، ورغبتها في الإبقاء على الصراع ضمن “مستوى مفيد”.
الكيان الصهيوني وإيران كذريعة استراتيجية
في المقابل، لا يُخفي الكيان الsهيوني استغلاله للتهديد الإيراني في رسم سياساته الأمنية والإقليمية، فقد استثمر “الفزاعة الإيرانية” بشكل كبير من أجل تطبيع العلاقات مع عدد من الدول العربية، وضخّم خطر البرنامج النووي الإيراني لاستقطاب الدعم الغربي، لا سيما من الولايات المتحدة، وبرّر تدخله في سوريا ولبنان واغتيالاته وعملياته السرّية تحت غطاء “ردع المشروع الإيراني”.
وهكذا، فإن طهران، التي كانت في نظر الغرب طرفًا إقليميًا يُمكن احتواؤه، تحوّلت بفضل هذا التوظيف الsهيوني إلى “الخطر الأول”، ما منح تل أبيب فرصة ذهبية لإعادة ترسيخ مكانتها كحليف موثوق في منظومة الأمن الغربية.
هل الصراع وجودي حقًا؟
بالنسبة لإيران، يُمثل وجود الكيان الصهيوني، في جوهر العقيدة الثورية، نفيًا لهوية الأمة وانتصارًا للاستكبار الغربي. وبالنسبة للكيان الصهيوني، فإن صعود قوة شيعية متمرّدة في المنطقة يحمل خطرًا مزدوجًا؛ حيث يهدد أسطورتها العسكرية وقدرتها على الردع من جهة، ويؤلب الشارع العربي والإسلامي ضدها من جهة أخرى. ورغم كل هذا البون العقائدي، إلا أن إدارة هذا الصراع قد جرت بحسابات سياسية دقيقة. فقد كان كل طرف يعرف أن نهاية الطرف الآخر -أو زواله الفوري- ليست بالضرورة هدفًا عمليًا في الوقت الراهن، بل قد تكون خسارة استراتيجية، لأنه سيفقد بذلك عدوًا يسهم في تشكيل صورته وبناء تحالفاته واكتساب شرعيته.
التصعيد في العامين الأخيرين:
شهدت العلاقات بين إيران والكيان الsهيوني تصعيدًا نوعيًا، تمثّل في:
عمليات اغتيال داخل إيران، أبرزها مقتل العالم النووي محسن فخري زاده.
تفجيرات في منشآت نووية ومراكز عسكرية حساسة (نطنز، بارشين، إصفهان).
اختراقات سيبرانية إسرائيلية استهدفت البنية التحتية والأنظمة اللوجستية في إيران.
في المقابل، واجهت إيران هذه الهجمات بـ”صبر استراتيجي” في بادئ الأمر، قبل أن تتحول نحو ردود محسوبة عبر أذرعها الإقليمية مثل الحشد الشعبي في العراق، أو حزب الله في لبنان، أو الحوثيين في اليمن.
بينما شكلت الضربة الإسرائيلية على القنصلية الإيرانية في دمشق في أبريل 2024 وما تبعها من رد مباشر إيراني غير مسبوق على الأراضي المحتلة، نقطة تحوّل خطيرة. فبعد سنوات من الحروب بالوكالة، دخل الطرفان مرحلة جديدة من الاشتباك المباشر. لكن اللافت أن كليهما سارع إلى احتواء التصعيد بعد تبادل الرسائل النارية، ما عكس رغبة ضمنية في عدم تجاوز “حدود اللعبة”. فالحرب الشاملة لا تخدم أحدًا منهما؛ بل ربما تُفقد كلاً منهما عدوه المفيد، وتكشف محدودية قدراتهما أمام الرأي العام.
نقطة اللاعودة: الضرب في العمق
كسرت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة داخل الأراضي الإيرانية، واستهداف شخصيات ومواقع عسكرية حساسة، قواعد الاشتباك السابقة، ودفعت طهران إلى تبني خطاب جديد يقوم على “الردع المتبادل” بدلًا من “الصبر الاستراتيجي”. ومن هنا، بدأت التصريحات الإيرانية الرسمية تركز على اعتبار إسرائيل تهديدًا وجوديًا يستوجب الرد ويستحق المحو، لا مجرد أداة في الصراع مع واشنطن. وقد عدّ صناع القرار في طهران هذه الهجمات بمثابة إعلان حرب، وردّوا بصواريخ ومسيرات على تل أبيب ومدن أخرى في الأراضي المحتلة، لتسقط قواعد الاشتباك السابقة، وتنتهي مرحلة الحرب بالوكالة، ويدخل الطرفان مرحلة “المواجهة المباشرة” ضمن معادلة الردع المتبادل.
الخاتمة:
تحوّل العلاقة بين الكيان الsهيوني وإيران من “العدو المفيد” إلى “التهديد الوجودي” ليس مجرد تغيير في الخطاب السياسي، بل انعكاس لتحوّل أعمق في طبيعة الصراع؛ الصراع الذي انتقل من حرب باردة ضمنية إلى مواجهة ساخنة معلنة، قد تعيد رسم خريطة المنطقة لعقود مقبلة، وقد تعني أن العودة إلى حالة “اللاحرب–اللاسلم” باتت شبه مستحيلة.
