عن شرف موقف إيران من قضية فلسطين

عن شرف موقف إيران من قضية فلسطين
موقف إيران من فلسطين يمثل نقطة شرف نادرة في تاريخها السياسي، رغم كل أخطائها الأخرى. الضغوط الدولية والحرب المفروضة عليها ترتبط أساسًا بعدائها للكيان الصهيوني، وليس فقط ببرنامجها النووي. التراجع الآن يعني السقوط في دوامة الذل والخضوع، أما الصمود فهو السبيل الأخير للحفاظ على الكرامة الوطنية....

قبل أن تصفني وتصنّفني، دعني أبصق في وجهك وأقول لك “لا يهمني!”. ثم أدعوك لمراجعة حسابي على مدى ١٧ عامًا، وتتبع نضالي ضد كل نفوذ إيراني أو أميركي أو حتى روسي وصيني في العراق وسواه… نعم، أنا أطالبك بأن تفعل، ليعرف كل منّا صاحبه وحقيقته… ولنعرف أيضًا كم مرة بدّلت موقفكَ/كِ خلال تلك الأعوام؛ وكم مرة فعلت أنا!

والآنَ، بوسعك أن تغرق في “غائط” طائفيتك/ قوميتك كما تشاء، وهذا شأنك في النهاية… وبوسعك أيضًا أن تداري لقمة عيشك فأنت مُستَكتَب في النهاية وتعيش اليوم بيومه من خلال إعلان موقف أو الترويج لموقف… على العكس مني مثلًا، أنا الذي ليس لقوة (بشرًا أو فكرًا) على ظهر هذا الكوكب جرأة الادّعاء بامتلاك شيء مني. كما بوسعك استدعاء اصطلاحات “مرحاضية” من بطون الكتب الميتة والمعاجم النافقة كالعثمانية والرافضية والناصبية والعلوية والفاطمية والصفوية والمجوسية والسبئية، وثنائية الفارسي/العربي وما إلى ذلك من هراء شعوبيي القرون الأولى… ولعلك ستجد لدى خصومك في إيران وسواها من يجارونك في هذا الإسفاف المذهبي والانحطاط القومي… لكن تذكّر وتأمّل دائمًا ما لا يسعك رؤيته بسبب هياجك كثور في زريبة منذ شهور ربّما… وسأحاول إيجازه لك.

رسائل إلى حمقى الآخرين:

١/ اُغتيل ح.ن.الله، وفقدَ ح.الله معظم نفوذه وأسلحته وفعاليته القتالية بسبب موقفه من فلـ.ـسطـ.ـين، وإن لم تدرك ذلك بعد فأنت معاق سياسيًّا على أقل تقدير. ومثله قُتل السنوار وهنية والعاروري والموسوي والشقاقي وياسين والرنتيسي… كلهم قُتلوا بسبب موقفهم النهائي من الكيان.

٢/ ما يجري على الأرض والسماء الآن، في إيران، هو في جذره بسبب موقف هذه البلاد من الكيان الداعر و فلـ.ـسطـ.ـين… وليس المشروع النووي سوى تفصيل ثانوي (هام بالطبع) على جسد الخمسة والأربعين عامًا الماضية.

٣/ بوسعي سرد عشرات الخطايا والآثام الإيرانية منذ عام ١٩٧٩، ولكن ليس من بينها شرف موقفها من فلـ.ـسطـ.ـين، التي تكاد اليوم أن تخسر كل شيء (وأنا أعني كل شيء) بسببه.

٤/ إيران ليست جمعيةً خيرية، وقد كسبتْ كما خسرت، لكنها خسرت أكثر، واليوم هي تقاتل على أرض عاصمتها وفي سمائها بعد أن فقدت كل أطواقها ووسائل دفاعها، كما فقدت جهازها الدفاعي الجوي بالكامل، ولم يبق لها من توازن رعب وردع سوى صواريخها… وبوسعها أن تنهي كل هذا ببساطة: تتنازل عن “شرفها” في امتلاك هذا الردع، وفوقها بعض الحلويات من قبيل التطبيع مع الكيان الداعر كما فعلت دول العروبة “الخالصة” والإسلام “الصحيح” والشرف الرفيع والكرامة المصانة؛ فأكثر من ساذج سيعتبر هذا مخرجًا بحلاوة طعم النصر ربّما، بل سيعتبره هزيمة للكيان وتفويتًا لفرصه!

٥/ سقط نظام الأسد بسبب توافقات تركية- إيرانية- إسـ.ـرائـ.ـيلية- أميركية- روسية… حدث هذا بسبب الحرب على أرض فلـ.ـسطـ.ـين، وانعدام قدرة داعمي هذا النظام (إيران/ ح.الله) و(الحرب الروسية- الأوكرانية) مواصلة دعمهم لنظام فاقد للشرعية قاتل لشعبه ولفلـ.ـسطـ.ـين ولحلفائه حتى… ولولا هذه الحرب وتبعاتها لما سقط هذا النظام ولا حتى بعد عشرين عامًا… ولم تكُ ثمّة فرصة حتى في خيال أعتى الروائيين موهبةً أن يجيء برجل من قائمة الإرهابيين الأكثر تطرفًا في العالم ليُنصّبه (بواسطة نفس الدولة التي صنفته سابقًا) رئيسًا جديدًا للبلاد، وهذا ما دعوته يومًا: “فرصة نادرة لمتتبعي المفارقات الكبرى ومعتنقي المصادفات أن يستمتعوا بمشهد نادر”.

٦/ لن تنتصر إيران، كل عاقل يدرك ذلك، لكن صمودها ووصولها لطاولة التفاوض قبل أن تستسلم وترمي المنشفة هو الضمانة -بشكل ما- بأن لا يضاجع الكيان دولنا وشعوبنا فرادى وزرافات… هذا كل ما في الأمر، بنفس القدر الذي ستمثله هزيمة روسيا والصين أمام أميركا والناتو من فرصة للضبع الترامبي ببيع العالم وشرائه في سوق النخاسة لو شاء. لكن أنّى لأضرابكَ/كِ الانتباه لهذه التفاصيل الحاسمة والحساسة تحت مطويات من الكلام المجّاني عن الحق والباطل في صيغته المثالية المطلقة.

رسالة لإيران على سبيل المجاز:

أستوعبُ الجحيم التي تحيط بك، وأكاد أشعر بأنك ترددين همسًا (بلغت القلوب الحناجر)… الوضع مرعب نعم، لكن الإذعان لشروط أميركا في سبيل إيقاف الحرب، سيسحقك تمامًا. سيفعلون بك أضعاف ما صنعوا بصدام والأسد والقذافي، وسيرسلون ثعالبهم لترقص على كتفيك، وسيذولونك على مستويات غير مسبوقة منذ ١٤٠٠ عام، ولن يتركوا فيك مكانًا دون أن ينبشوه ويفتشوه بحجة تعارضه مع (الشروط) و(الاتفاقات)؛ ابتداءً من عمامة المرشد السوداء، وليس انتهاءً بعربة أصغر بائع جوّال في شوارع طهران وإصفهان.

إنّ الإذعانَ، اليوم، والتخلي عن زخم الصواريخ التي تؤلم الكيان الداعر بقدر غير بسيط؛ سيؤدي لتحويلك إلى جمهورية موز بامتياز، وبمرور الوقت ستصبحين ملهىً مفتوحًا لأثرياء الإقليم المتنعم بالسلام الإبراهيمي، يأتونك من كل حدب وصوب لتفريغ جيوبهم وماء خصاهم في رحابك… ثم يحمدون الله على فتحه المبين.

لستُ في موقع يسمح لي بنُصح أحد، فأنا بالكاد أنصح نفسي ولا أفلح عادة باتباع نصيحتي، ولكنني قلتها لك منذ اليوم الأول “عيشي أو موتي بشرف”، وأن يموتَ ثلثُ الشعب الإيراني دفاعًا عن حقه بقول “لا” وإنتاج سردية أخرى غير تلك التي تسوقها نعاج الربّ الغربي، دفاعًا عن حقّه بالتمايز والاستقلال والكرامة -ولو بالحد الأدنى- وعدم الاشتراك في زفّة فحولة النتن.ياهو إلى سريره… لَهوَ أهون -بتقديري- من الخضوع وتوهّم النجاة لاحقًا… فأميركا هذه لن تسمح لكِ بالتقاط الأنفاس أو التنفس أصلًا بلا رقيب وعتيد يتناوبان على تذكيرك بالأغلال حول المعصمين والرقبة، وستنتهين في آخر المطاف نهاية النظام الأسدي والصدامي والقذافي (رغم سفالاتهم) مباعةً من قبل حلفائك (روسيا والصين مثلًا) ببلاش تقريبًا!

أخيرًا، لنلُمْ إيران على أخطائها وخطاياها.. وليس على شرف موقها من الكيان الداعر… وليس عيبًا أن يستثمر نظامُ حكم في عداوة أو صداقة، إنّما العيب -كل العيب– أن يكتب مَن هو في حقيقته غدة دهنية، أو مجرد زائدة دودية على المشهد، شيء أقرب إلى حلمة ثدي الرجل بلا نفع ولا فائدة تطورية… يكتب هذا الذي لا أرض له ولا سماء ولا حتى شرف خصومة أو نُبل محتد، يكتب بينما هو يلعب بخصيتيه (أو ما تبقى منهما بعد تناوب الدهور على إخصائه)، يكتب من شدة اللوعة والأنين المكتوم: “اللهم إضرب الظالمين بالظالمين!”… تبًّا للظالمين والصالحين إن كانوا من أمثالكم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *