مآلات الهجوم الإسرائيلي على إيران

مآلات الهجوم الإسرائيلي على إيران
في فجر غير مسبوق من التصعيد الإقليمي، شنت إسرائيل هجوماً جوياً واسع النطاق ضد أهداف إيرانية، قيل إنها تشمل منشآت عسكرية....

في فجر غير مسبوق من التصعيد الإقليمي، شنت إسرائيل هجوماً جوياً واسع النطاق ضد أهداف إيرانية، قيل إنها تشمل منشآت عسكرية وربما مواقع نووية حساسة في طهران وتبريز، مدعومة بعمليات استخبارية نوعية نفذتها خلايا تابعة للموساد داخل إيران. هذه الضربة، بكل المقاييس، لا يمكن تصنيفها كعملية تحذيرية أو تكتيكية، بل تمثل “ضربة استباقية استراتيجية“، تم التخطيط لها بعناية لتوجيه ضربة عميقة للمشروع النووي الإيراني، وتحدي قواعد الاشتباك التي سادت لسنوات.

*أولاً: الشيعة في قلب معركة فلسطين*

إن دلالات الضربة الإسرائيلية لا تقتصر فقط على بعدها العسكري، بل تمس جوهر الصراع على مستوى رمزي أوسع. ولا يمكن فصله عن الصراع الرمزي – الهوياتي في المنطقة. في الوقت الذي تتواطأ فيه أنظمة عربية مع الكيان الصهيوني تحت غطاء “التطبيع”، فإن إيران، بحضورها العقائدي، تُمثِّل على الأقل في المشهد الإقليمي  المعسكر الوحيد الذي لا يزال يربط بقاءه وشرعيته بتحرير فلسطين ومواجهة الكيان.

لقد دفع الشيعة، سواء في إيران، العراق، لبنان، أو اليمن، أثمانًا باهظة في مواجهة إسرائيل ودعم القضية الفلسطينية، في وقت انكفأ فيه النظام العربي الرسمي نحو التطبيع، والقبول بالهوان.

وفي هذه المواجهة المتصاعدة، تحاول إسرائيل أن تُجهِز على هذا العمق الشيعي الذي بات يهددها سياسيًا، عسكريًا، وأيديولوجيًا. واللافت أن فئات من “الجمهور العربي” باتت تُهلّل للعدوان الإسرائيلي على إيران، وتحتفي باغتيال رموزها، في ظاهرة يُمكن توصيفها بأنها مزيج بين الانفصام السياسي والانحطاط القيمي، تشرّب خطاب الهيمنة والعدو، بدل الوقوف مع قضايا الأمة.

*ثانياً: سيناريو الرد الايراني*

تبدو كل المؤشرات العسكرية والسياسية القادمة من طهران وكأنها تقول إننا أمام لحظة “الوعد الصادق 3″، ليس بالمعنى التقليدي لضربة عسكرية، بل في سياق تحوّل نوعي في أدوات الردع الإيرانية. فالهجوم الإسرائيلي الأخير، الذي أدى إلى مقتل قيادات رفيعة في الحرس الثوري وقيادة الأركان، خلق فراغاً استراتيجياً داخل البنية القيادية الإيرانية، سرعان ما بدأ المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي بسدّه من خلال قرارات عاجلة، شملت تعيين الجنرال عبد الرحيم موسوي رئيساً جديداً لهيئة الأركان خلفاً للجنرال محمد باقري، وتعيين الجنرال محمد باكبور قائداً للحرس الثوري، والجنرال علي شادمان رئيساً لمقر خاتم الأنبياء، وهو ما يعكس حالة استنفار حقيقي داخل هرم القيادة العسكرية، استعداداً لجولة جديدة من المواجهة.

الرد الإيراني حتى الآن، عبر أكثر من 100 طائرة مسيّرة، لم يُحدث توازناً فعلياً في معادلة الردع، ولم يحقق أثراً ملموساً على المستوى العملياتي داخل إسرائيل، ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل سيكون الرد المقبل أكثر إيلاماً ووضوحاً؟ الإجابة من داخل طهران، ومن خلال لغة الخطاب الإيراني الرسمي وشبكة التعيينات الأخيرة، تشير إلى أن إيران عازمة على الرد، لكن ليس بالضرورة بالطريقة التقليدية.

فالرد المركّب الذي تفكر به طهران قد يشمل أكثر من ساحة، وأكثر من أداة، وليس من المستبعد أن يُفتح ضمنه الملف النووي كورقة ضغط، خاصة في ظل الاتهامات الموجهة للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتحول إلى ذراع سياسية في خدمة إسرائيل.

الجغرافيا لا تعمل لصالح إيران، فالمسافة التي تفصلها عن العمق الإسرائيلي تتجاوز 1000 كلم، وتفرض عبور أجواء دول متعددة. لكن ما تمتلكه طهران من منظومات صاروخية باليستية وفرط صوتية، إلى جانب حضورها الإقليمي من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، يجعل من القدرة على الرد حقيقة قائمة، وإن كانت معقدة التنفيذ. كما أن الحديث عن هيمنة إسرائيلية على أنظمة الدفاع في العمق الإيراني عبر خلايا استخباراتية، يعيد تعريف مسرح العمليات، من مجرد هجوم إلى اختراق استراتيجي.

في المحصلة، إيران تدرك أن عدم الرد القوي سيُنظر إليه كضعف استراتيجي سيُشجع على تكرار الضربات، بينما الرد المتهور قد يعطي واشنطن ذريعة للتورط العسكري المباشر. لذلك، تميل طهران على الأرجح إلى هندسة ردٍّ ذكي، مباشر، لكنه غير منفلت، يجمع بين استعراض القدرات، وكسر المعادلات، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. بهذا، لا يكون “الوعد الصادق 3” مجرد انتقام، بل بداية لتثبيت معادلة ردع جديدة في قلب الصراع الإقليمي.

*ثالثاً: واشنطن – دعم تكتيكي وحياد زائف*

في أعقاب الضربة الإسرائيلية الاستراتيجية ضد إيران، بدا الموقف الأميركي وكأنه يتحرك على حبل دقيق بين الادعاء بالحياد والتورط الفعلي، وهو ما يعكس نمطاً متكرراً في السلوك الاستراتيجي للولايات المتحدة حينما يتعلق الأمر بأمن إسرائيل ومصالحها في الشرق الأوسط.

تُظهر واشنطن حرصاً شديداً على ترويج صورة “اللا تورط” في هذا التصعيد، حيث أكد ترامب أن امريكا لم تشارك عسكرياً في الضربة، لكنه في الوقت ذاته أقر بأنه كان على علم مسبق بها، وأكد استعداد بلاده للدفاع عن إسرائيل وقواعدها في المنطقة إذا ما قررت طهران الرد. هذا التصريح ليس مجرد توضيح موقف، بل هو رسالة ردع مضمّنة، تكشف أن أميركا لا تقف خارج المعركة، بل تُمثّل فيها القوة الاحتياطية الاستراتيجية لاسرائيل.

يخطئ من يظن أن الولايات المتحدة لم تنسّق مع إسرائيل في هذه العملية؛ ففي الثاني عشر من نيسان/أبريل، وجه ترامب تحذيراً علنياً لإيران، مُمهلاً إياها 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نووي جديد. ومع انقضاء المهلة، أوعزت واشنطن ضمنياً إلى إسرائيل بتنفيذ ضربة نوعية تستهدف مراكز حساسة في المشروع النووي الإيراني. هذا التسلسل لا يمكن قراءته إلا كحلقة منسقة من التصعيد المُدار، يندرج ضمن استراتيجية “الضغط الأقصى غير المباشر”، التي تُبقي واشنطن خارج حلبة الاشتباك العسكري، لكنها تُدير إيقاع الضربات وتضبط حدودها وغاياتها.

الحديث الإعلامي عن أن “إسرائيل تجر أميركا إلى الحرب” ليس سوى خدعة دعائية موجهة للاستهلاك الداخلي الأميركي، حيث تسعى الإدارة إلى تهدئة الرأي العام المتعب من الحروب الطويلة والمكلفة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التزامها الصارم بأمن إسرائيل. فواشنطن، التي لا تريد حرباً واسعة، ولن تسمح لإسرائيل بأن تُهزم في أي معركة ذات طابع استراتيجي، خاصة تلك التي تمس التوازن النووي في المنطقة.

الواقع أن الدور الأميركي لا يقتصر على التنسيق السياسي والدبلوماسي، بل يمتد إلى توفير دعم استخباراتي ولوجستي واسع النطاق. كشفت معلومات موثوقة أن عملية التضليل التي سبقت الضربة شملت:  ترويج خلافات مصطنعة بين واشنطن وتل أبيب، وإيحاءات إعلامية باستئناف قريب للمفاوضات في مسقط، بينما كانت وحدات الموساد تنفذ عمليات اختراق وتعطيل للمنظومات الدفاعية داخل العمق الإيراني.

بهذا الشكل، تمارس الولايات المتحدة ما يمكن تسميته “الدعم التكتيكي تحت غطاء الحياد”، وهو نموذج من الحرب بالوكالة المقنّعة، حيث تُمنح إسرائيل حرية الحركة العملياتية، ضمن حدود معينة، مقابل أن تتحمل كلفة المواجهة الميدانية الأولى، بينما تبقى واشنطن في موقع القيادة الخلفية، مستعدة للتحرك فقط إذا تجاوزت إيران “الخطوط الحمراء الأميركية”، وعلى رأسها استهداف مباشر للجنود أو القواعد الأميركية.

*رابعاً: المفاوضات النووية… إلى أين؟*

الهجوم الإسرائيلي الأخير على المنشآت الإيرانية وقادة الصف الأول في الحرس الثوري لم يكن مجرد عملية عسكرية خاطفة، بل ضربة موجّهة نحو جوهر المشروع الإيراني، والملف الأكثر حساسية على الطاولة الدولية: البرنامج النووي. من هنا، لا يُستبعد أن تُعيد طهران تموضعها التفاوضي بالكامل، إذ بات واضحاً أن امتلاك القدرة النووية التقنية، دون غطاء ردعي صارم وحقيقي، يتركها مكشوفة أمام عمليات استباقية مدمّرة.

إيران، التي تلقت الضربة من دون أن تنجح في تحقيق ردع نوعي، مهما كانت المبررات، أو ادوات المعركة، وحجم الاختراقات والسطو السيبراني الذي سبق الضربة. ربما تدرك الآن أن العودة إلى المفاوضات، من دون أوراق ضغط قوية، ستكون بمثابة استسلام تدريجي لإملاءات المحور الأميركي-الإسرائيلي. ولذلك، سيكون التوجه الاستراتيجي المقبل قائماً على العودة المشروطة إلى طاولة التفاوض، ولكن ليس من باب التنازل، بل من باب التصعيد المحسوب: التلويح بتفعيل جبهات إقليمية، إعادة هندسة البرنامج النووي بمستوى أعلى من الغموض البنّاء، وربما حتى رفع السقف الفني لتخصيب اليورانيوم.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أبدى أملاً في عودة إيران إلى المفاوضات برسالة مليئة بالتهديد المبطن، لا يتحدث من موقع الحياد، بل من موقع من يرى أن العمليات الإسرائيلية نجحت في ليّ ذراع طهران، ودفعها نحو تفاوض مشروط، بمقاييس المنتصر لا الوسطاء. لكن طهران، وإن كانت تحت الضغط، إلا أنها ليست في موقع الانهيار، وهي تُدرك جيداً أن أي عودة غير محسوبة إلى التفاوض ستقوّض مكانتها في الداخل والخارج، خاصة بعد استهداف هيبتها العسكرية والعلمية.

من هنا، فإن المسار المرجّح في المرحلة المقبلة هو استخدام المفاوضات كإحدى أدوات الرد المركّب: لا رفض تام، ولا قبول فوري، بل مراوغة استراتيجية تهدف إلى إعادة بناء الردع، ومن ثم فرض شروط جديدة تُناسب التوازنات الإقليمية والدولية التي أفرزها هذا التصعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *