المكان كذاتٍ موازية قراءة ظاهراتية في كتاب (سويج الدجة) لرحمن خضير عباس

المكان كذاتٍ موازية قراءة ظاهراتية في كتاب (سويج الدجة) لرحمن خضير عباس
في كل سيرة ذاتية تختبئ سيرة أخرى صامتة، هي سيرةُ المكان، ذاك الكيان الذي لا يُدرَك فقط من خلال الجغرافيا، بل يُستَعاد عبر الذاكرة بوصفه نسيجاً...

في كل سيرة ذاتية تختبئ سيرة أخرى صامتة، هي سيرةُ المكان، ذاك الكيان الذي لا يُدرَك فقط من خلال الجغرافيا، بل يُستَعاد عبر الذاكرة بوصفه نسيجاً مادياً وانفعالياً يشكّل هوية الذات ويمنحها قابليتها للاستحضار والاستمرار، فالذات الكاتبة لا تروي نفسها بمعزل عن المكان الذي شكّل ملامحها، بل تتجلّى بوصفها “كائناً متجسداً في الفضاء”، ينسج ذاكرته الخاصة من تقاطعات المادة والزمن والانفعال، هذه الفكرة، بتجلياتها الفلسفية العميقة، تمثل جوهر ما طرحه ديلان تريغ في كتابه (ذاكرة المكان: فينومينولوجيا الغرابة The Memory of Place: A Phenomenology of the Uncanny)، حيث يرى أن الذاكرة ليست عملية عقلية معزولة، بل فعل جسدي وتجريبي يتجلى عبر المكان، ويأخذ مكانه الفعلي في أجسادنا قبل وعينا.

يؤكد تريغ أن العلاقة بين الذاكرة والمكان ليست تبادلية بقدر ما هي اندماج وجودي، إذ إن تذكّر الذات لذاتها لا يكتمل إلا باستدعاء المكان الذي احتضنها، والذي في طبيعته الغامضة -أو حتى الغريبة -يحتفظ بظلال الماضي وجروحه وأصدائه، هذه الفلسفة تُسلّط ضوءاً على الأعمال الأدبية التي تتجاوز السرد الشخصي لتلامس البعد المكاني كتجربة وجدانية، مثل كتاب (سويج الدجة- التحديق في بئر الطفولة) لرحمن خضير عباس، حيث لا تتجلّى الذاكرة بوصفها تأريخاً فردياً فحسب، بل كاستعادة سردية لمكان الطفولة والهوية والانتماء.

يغدو المكان (الغراف) في هذا العمل، (بتضاريسه ونهره وأزقته) شاهداً على تكوّن الذات وتحوّلاتها، لا بوصفه خلفية للأحداث، بل ككائن سردي موازٍ، يكتسب ملامحه من عيون السارد وحنينه وتموّجات وعيه، حيث لا تُفهم الأماكن بوصفها كيانات مادية فحسب، بل بوصفها “جروحاً مفتوحة في الزمن” — ذاكرة لا يمكن احتواؤها أو إعادة إنتاجها دون استحضار رائحة الطين، ونشيج النهر، ونداءات الأمهات على العتبات.

تكتسب قراءة (سويج الدجة)، من هنا، بُعداً مزدوجاً، فهي ليست قراءة لسيرة فقط، بل لسيرة عراقية تمّت كتابتها في تلافيف المكان، وسيرةُ مكانٍ كُتبَ من شقوق الذاكرة ومقاومة النسيان، وبين استعادة الذات واستحضار المكان، يتشكل نصّ لا يقدّم الحقيقة بوصفها معلومة، بل بوصفها تجربة حسيّة، تُعاش وتُعاد صياغتها مع كل قراءة جديدة.

لا تبدو السيرة الذاتية في هذا الكتاب محض تسجيل لأحداث الماضي بقدر ما هي ارتحال عبر طبقات الذاكرة الموشومة بالمكان، حيث لا تنفصل التجربة الذاتية عن الجغرافيا العاطفية للطفولة، حيث يغدو المكان في هذه المتوالية السردية، ليس مجرد مسرح للأحداث، بل يتماهى مع الذات حتى يصير مرآتها وامتدادها، تماماً كما ذهب ديلان تريغ في كتابه إلى أن الذاكرة ليست فقط استعادة لحوادث من الماضي، بل هي تموضع مادي وانفعالي يضرب في عمق الوجود المتجسد، لتغدو العلاقة بين الذات والمكان علاقة تكوينية لا تفسيرية.

يعود الكاتب إلى المكان/ الغراف، لا ليُعيد ترتيبه على نحو استذكاري، بل ليخلقه مجدداً من حطام الذاكرة، بكل ما تحمله من اضطراب وتشظٍّ وحنين، فالمكان هنا ليس وحدة جغرافية، بل هو لحظة شعورية تتكثف فيها الذات والمحيط واللغة والرمز، ويُعاد تشكيله عبر الإيقاع الحسي للنص، من رائحة الطين، إلى طقطقة الأبواب، إلى وهج المصابيح في ليالي الجنوب، وبهذا المعنى، لا يكون المكان عنصراً ثانوياً أو ديكوراً، بل يدخل في نسيج التكوين السردي بوصفه ذاتاً أخرى ترافق الكاتب وتستدعيه وتُعيد صياغته في كل فقرة.

يمكن قراءة الكتاب في مستوى آخر، كنوع من السيرة المكانية، أي سرد لتجربة الذات من خلال المكان، أو بالأحرى من خلال “تحوّلات المكان”، فالسارد لا يكتب عن الغراف كحالة ساكنة، بل ككائن حي، يتنفس ويتغير، ويتورط في العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية لتلك المرحلة، ففي لحظات كثيرة، يتخذ المكان في هذا السرد ملامح الكائن العاطفي –إن جاز لي الوصف- إذ تراه (يفرح، يكتئب، يشيخ، يتمرّد، يتواطأ، يغيب)، وهذه الملامح ليست اسقاطات رومانسية، بل تنبع من علاقة حميمة وعميقة، تعكس كيف يمكن للذات أن تُبنى من جدران الطين، من الأزقة، من وجوه المارة، من أصوات السوق، ومن ضوء الفوانيس حين يتسرب عبر شقوق النافذة.

ومن الأمور اللافتة في هذا العمل، أن الكاتب لا يقدم نفسه بطلاً، بل شاهداً، فهو لا يدّعي مركزية الحضور، بل يذوب في المكان، ويُعيد إنتاج ذاته عبر الآخرين (الجيران، الأصدقاء.. الخ)، وهذا الانمحاء المقصود يتّسق مع ما يذهب إليه تريغ بأنَّ الهوية لا تُصاغ من داخل الذات فقط، بل من تماسّها مع العالم، ففي “سويج الدجة”، نلاحظ كيف أن التجربة لا تُستعاد كوقائع، بل تُستَحضر كإحساس؛ كأن السارد يكتب من داخل الحلم، أو من قاع نهر غمره الماء والنسيان، لكنه ظل ينبض بالحياة في الذاكرة.

إنَّ السيرة الذاتية في هذا الكتاب لا تسعى إلى تأريخ الذات بقدر ما تسعى إلى تفكيكها وإعادة تركيبها في علاقتها بالمكان، هي ليست سيرة خطية تبدأ من الطفولة وتنتهي عند لحظة وعي، بل سردية دائرية، تتقاطع فيها الأزمنة، وتتداخل فيها الحكايات، وتتشظى فيها اللغة لتكشف عن ذاكرة شبحية، مترددة، لا تنحاز إلى الوثوق بل إلى الهشاشة والاحتمال، وهنا تبرز جمالية النص، كونه لا يمنح القارئ الحقيقة الجاهزة، بل يدعوه إلى أن يكون شريكاً في التذكر، شاهداً على ما لا يُقال، وما لا يُمكن الإمساك به بسهولة.

يعتمد النص أيضاً على إيقاع داخلي هادئ، لكنه مثقل بالدلالات، فالجمل غالباً ما تكون قصيرة، لكنها مشبعة بإحالات حسية ووجدانية، تُحوّل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات كثافة شعرية، وهذا ما يمنحه بُعداً استبطانياً، يجعل من السرد أشبه بعملية تأمل في الذات عبر مرآة المكان، وبذلك، تنسجم هذه الرؤية مع ما طرحه تريغ في كتابه من أن الذاكرة ليست فقط حدثاً يُستعاد، بل هي انفعال يُعاش مجدداً، بكل ما يحمله من توتر بين الحضور والغياب، بين الألفة والغرابة، بين الداخل والخارج.

إن (سويج الدجة) لا يُقدَّم بوصفه وثيقة، بل بوصفه انفعالاً كتابياً، يتخذ من السيرة والمكان مادة للتأمل الوجودي والجمالي، إنه نص يعيد الاعتبار للكتابة بوصفها شكلاً من أشكال الوعي بالمكان، وتجربة في تصيير الذات عبر فضاءات كانت جزءاً من تكوينها، وإذا كانت الفلسفة، كما يقول تريغ، تتيح لنا أن نفهم كيف تتجلى الهوية من خلال المادي والحسي، فإن هذا العمل الأدبي يبرهن، بلغة سردية آسرة، على أن المكان لا يُكتب فحسب، بل يكتبنا، ويشكل وعينا بأنفسنا والعالم.

لذلك فإن هذا الكتاب هو أكثر من سيرة ذاتية؛ هو اختبار لحدود الكتابة عن الذات، عن الآخرين، وعن الأماكن التي لا تزال تكتبنا حتى ونحن نكتبها، وفي كل عودة إلى الغراف، لا يعود الكاتب إلى ماضٍ بعيد، بل إلى لحظة كينونة لا تزال تتشكل، إلى حضور يتجدد كلما استدعي، إلى ذاكرة لا تكتفي بالتذكر، بل تسائلنا: من نحن في ظل ما تركناه خلفنا؟

لذا يمكن القول إن كتاب (سويج الدجة- التحديق في بئر الطفولة) يمثل نموذجاً نادراً لما يمكن أن تفعله الذاكرة حين تتحالف مع اللغة والمكان، ليس في استعادة الماضي فحسب، بل في بناء وعي جديد بالذات والهوية والانتماء، وبينما تتقاطع السيرة الذاتية مع سيرة المكان، يتجلى الأدب بوصفه فعلاً وجودياً، يحفر في الذاكرة ويصوغ من هشاشتها معنى مضيئاً للحضور الإنساني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *