8-أسطورة شعب الله المختار بين الأنا والآخر قراءة في الأصول والامتداد

8-أسطورة شعب الله المختار بين الأنا والآخر قراءة في الأصول والامتداد

تعد ميثولوجيا الأصول، وبخاصة أساطير البدء والتكوين أداة كشف ومعرفة وتعليل لكثير من الشعوب، لاحتلالها جانبا كبيرا من ميتافيزيقيا فلسفتها، ولاعتقادها أن معظم ما قام به الانسان القديم أو فعله إنما هو نتاج نموذج بدئي مقدس صنعته الآلهة أو أوحت به إليه.

وأسطورة شعب الله المختار من أكثر الأساطير انتشارا بين شعوب الشرق الأدنى القديم، ومن أهمها تمثيلا للعلاقة بين الأنا والآخر، وأوسعها امتدادا وتأثيرا في عقول صانعيها وسلوكهم، لاعتمادهم فيها على مرجعية دينية تجعل الإله يصطفيهم من بين شعوب الأرض، فيتيهون بهذا الاختيار، ويشعرون بتميزهم ومكانتهم وفضلهم، وينظرون إلى الآخرين من عل بازدراء واحتقار.

ولعل الشعور بالنقص الذي لازم اليهود في شتاتهم، وخوفهم من الذوبان في الشعوب الأخرى في أثناء رحلاتهم، هو الذي دفعهم إلى خلط التاريخ المقدس بالدين، وتلقف هذه الأسطورة عن شعوب المنطقة وبخاصة الكنعانيين الذين كانوا يشيرون إلى أنفسهم أنهم شعب الله المختار، ويعتبرون أنفسهم شعب الإله الخاص .

بدأت الإرهاصات الأولى لهذه الأسطورة في السبي البابلي، باعتباره بداية كتابة أسفار العهد القديم على أيدي كتبته أمثال عزرا، ونحميا، ودانيال ،الذين اطلعوا على تراث المنطقة ،ونقلوا أو سرقوا ثقافات أهلها، فاخذوا عن الرافديين اعتقادهم بتواصل الآلهة مع البشر وحديثها معهم من وراء حجاب أو جدار، مثلما فعل إله الحكمة إنكي مع( زيوسودرا) نوح السومري كاشفا له عن الطوفان الذي دبرته الآلهة للبشر.

     وهكذا كان يتواصل الإله العبري يهوه مع الآباء المؤسسين فيحدثهم ويأمرهم، بل ويتجلى لهم عيانا في صور شتى ومواقع عدة.

ولقد نتج عن هذه الأسطورة المؤسسة أسطورة الأرض الموعودة، التي كانت منتشرة بين شعوب المنطقة، وكان كل شعب يعتقد أن أرضه منحة من الإله الرب له، لأن اليهود- كما يعتقدون – هم  أبناء الله و غيرهم أنصاف البشر، ولأنهم شعب يهوه المختار ، ونتيجة لهذه العلاقة المميزة تدخل الرب لصالح شعبه المختار، ووعدهم بالأرض المقدسة التي يستحقونها ،وخصهم بها دون غيرهم من الشعوب الاخرى.

يمتثل إبراهيم لأمر الرب، و يتوجه من أور إلى أرض كنعان، التي وهبها له هدية أبدية، و يتكرر وعده له خمس مرات، ولو كان صادرا عن إله فعّال لما يريد، لاكتفى بمرّة واحدة، ثم ينتقل هذا الوعد إلى إسحق قبل ولادته لإقصاء إسماعيل الابن الأكبر الأحق بالإرث، ويؤول الوعد، من إسحق إلى يعقوب وليس لأخيه الأكبر عيسو بالخدعة والمكر، ويصارع يعقوب الإله إيل ويصرعه، ويسمّيه الإله إسرائيل أي صارع الرب، ولأنه قدر للرب الكنعاني، لذا تنازل له عن أرضه و منحها للقوي يعقوب و لنسله من بعده. واضح من هذه الاسطورة البعد العنصري لتكريس النبوة في نسل اسحق، وتسمية أرض كنعان بأرض إسرائيل.

هكذا يصير الرب إلها لإبراهيم ولنسله فقط، وليس للوط أو إسماعيل أو عيسو أو ربا للعالمين، وهكذا يتجلى الثالوث السامي القديم الإله والشعب المختار، والأرض المقدسة، فتنشأ وحدة مقدسة بين الأرض والشعب لحلول الإله فيهما واتحاده معهما. فاختيارهم دون العالمين ميثاق ألزم الإله به نفسه تجاه الشعب اليهودي، وانطلاقا من هذا الاعتقاد ليس من قبيل المبالغة القول إن أسطورة شعب الله المختار من أكثر الأساطير تاثيرا في تاريخ البشرية، ذلك أن فكره الاختيار وحلول الإله في الشعب، تفضي إلى الشعور بالتفرد والتفوق و التميز، لتفضيل الاله لإصحابها بصرف النظر عما يقولون ويفعلون، مما يجعلهم ينظرون إلى الآخرين من عل باعتبارهم مرفوضين مستبعدين محتقرين، يحل لهم استباحة أموالهم وعدم الزواج منهم، بل وحتى قتلهم. لذا اخذت لفظة (جوييم ) التي تعنى الأغيار معنى الذم واحتقار الآخرين.

ويكفي أن ننظر فيما فعله يوشع بين نون في أريحا، وما ورد في سفره من أوامر للرب بإبادة الفلسطينيين وتقديمهم قرابين بشرية، وكيف يحضر الإله يهوه قائدا وموجها ومشاركا لهم في معاركهم، وكيف يخاطبهم يشوع بقوله :((اقتلوا كل من في المدينة و احرقوا كل شيء ، ولكن حافظوا على الفضة والذهب والنحاس والحديد واجعلوها في خزانة خيمة يهوه )) فاستباحوا بحد السيف الرجال والنساء والاطفال والشيوخ ،حتى البقر والغنم و الحمير .

لقد غدت هذه العقيدة والأيديولوجيا الدينية القائمة على التمييز العرقي والعنصرية هادية لكثير من قوى الجبروت، وبخاصة ما فعلته قوى الاستعمار الأوروبي  بحق الهنود الحمر في أمريكيا وغيرها من الشعوب في أستراليا وأسيا و إفريقيا، وفي ظني ان كل ما فعله و يفعله الصهاينة اليوم في الفلسطينيين شبيه بما فعلوه من قبل بأجدادهم الكنعانيين وأن عمليات القتل والسلب والنهب التي لم يسلم منها البشر والشجر والحجر كلها مبنية على عقيدة توارتية متوارثة  ، يغرسون في صغارهم الكراهية و الحقد، فيمارسون القتل و الطرد و المحو و التهجير، يؤيد هذا ما تشير إليه استطلاعات الراي من نشأة الكيان الصهيوني وإلى يومنا هذا من أن النظرة إلى الأغيار الفلسطينيين – أصحاب الأرض –  لا يزال من أهم الدوافع وراء سلوك كثير من الإسرائيليين تجاههم ،

هكذا اذا تؤثر الأساطير المخترعة في توجيه أصحابها، وهكذا استطاع اليهود تحويل هذه الأساطير إلى حقائق ملموسة على الأرض، فأقاموا الدولة، ووحدوا القدس، وتحدوا العالم كله وسيطروا على البيت الأبيض وسعت شعوب عربية كثيرة لخطب ودهم ونيل رضاهم يصولون ويجولون ويفعلون ما يريدون لاعتقادهم أنهم سادة الكون أبناء الإله يهوه وغيرهم أنصاف بشر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *