تتضافر الثقافة الشعبية / الموروثات الشعبية بشقيها المادي والمعنوي، للتعبير عن الهوية الوطنية، فتظهر هذه الهوية بيسر ووضوح في الجانب المادي العملي ممثلاً في الملابس الشعبية، والأكلات الشعبية، والعمارة الشعبية، والموسيقا الشعبية، والرقص الشعبي، والطب الشعبي، والمسرح الشعبي، كما تظهر في فن القول أو الأدب الشعبي بما فيه من أساطير وخرافات وحكايات وأغان شعبية، وألغاز وأمثال ونوادر ونكات وترانيم وهتافات وشعارات ورقى وتعويذات ونداءات الباعة، وتعبيرات العامة.
لقد ولّى ذاك الزمن الذي كان يعدّ فيه الموروث الشعبي “دقّة قديمة” وأن التمسك به للمحافظة على الهوية – في زمن العولمة – هو نوع من القوقعة والانكفاء على الذات، وإعاقة تاريخية، ويجب تجاوزه للسير في ركب الحضارة، واللحاق بالأمم المتقدمة، ومجاراة النهضة المعاصرة. إن دعوة أنصار الحداثة لقطع الصلة بالموروث، بحجة التطور، وعدم النظر إلى الوراء، هي كمن يمسح جينات الشعب الوراثية، ذلك أن هذه الموروثات هي القسمات الطبيعية للأمة، والتي بموجبها تنقل ممارساتها اليومية من الماضي إلى الحاضر كي لا تتجمد عند حدود الحاضر ليصبح تاريخا،ً ومن هنا يخلط هؤلاء خلطاً كبيرا بين معالم التراث التي هي حركية بتعريفها، وبين التاريخ الجامد بطبيعته الذي هو الماضي،
وليس من قبيل المبالغة القول: إن الرموز الثقافية المستوحاة من الثقافة الشعبية تتجاوز في أهميتها الرموز الرسمية في تشكيل الهوية الجماعية وتعزيزها واستمرارها والمحافظة عليها، ذلك أنها وليدة الشعب نفسه، نابعة من أعماقه، منتشرة بين أبنائه، صادقة في التعبير عن آلامه وآماله، تنتمي إليه انتماء جوهر لا انتماء زمن، ضاربة في الأعماق، عابرة للزمان والمكان، تتناقلها الأجيال، وتحمل في جيناتها وجنباتها عاداته وتقاليده وقيمه ومآثره, تلهب عواطف الناس , وتثير هممهم ,على عكس الرموز الرسمية التي هي من صنع النخبة التي تتعالى على العامة ,وتخضع للمنطق والتخطيط والتنظيم
ولقد قدم الموروث الشعبي الفلسطيني صورة واضحة لحياة الإنسان الفلسطيني في أوضاعه المختلفة، في تعامله مع الطبيعة والكون، وعلاقته بأبناء وطنه أو أبناء دينه، ويزخر هذا الأدب بالأمثال والأقوال، والحكايات والأغاني والتعبيرات التي عبّرت عن الكثير من الأحداث والمواقف والظواهر، ورسمت هذا الإنسان في حلّه وترحاله، وتعبه وراحته، وفرحه وحزنه، وأمله ويأسه، كما وصفت مظاهر الطبيعة من حوله وحياته الاجتماعية والاقتصادية.
ولعل خصوصية الظرف الفلسطيني، وطبيعة صراع شعبنا مع العدو، هي التي جعلتنا “من أكثر شعوب الأرض تعرضاً لحالات الانتحال والسرقة والادعاء في تراثه الشعبي” ذلك أن صراعنا مع هذا العدو ليس على غزة وأريحا أولاً أو ثانياً، وإنما هو صراع وجود أو لا وجود، صراع على الماضي والحاضر معاً، يستخدم فيه العدو كل عمليات المحو والطمس والتغييب والتهويد، ويحشد كل طاقاته الدينية والتاريخية والأركولوجية المزيّفة، وغيرها من الوسائل لاختلاق إسرائيل الحديثة باعتبارها امتداداً لإسرائيل القديمة / أرض التوراة، ولتحقيق أسطورة أرض الميعاد، ليقول للعالم إنهم يضربون في أعماق التاريخ، وأنهم عادوا إلى أرض آبائهم وأجدادهم بعد أكثر من ألفي عام.
فكما سرقوا الماضي الكنعاني: الآلهة, والدين, واللغة, والأدب, والموسيقا، وأسماء الأشياء، وادّعوها لهم، واستولوا على تراث المنطقة، ونسبوه إلى العهد القديم، ها هم اليوم يسرقون موروث الأحفاد: الدبكة الشعبية, ومعدّات الخيمة الفلسطينية، والثوب المطرز، والزيتون الرومي، وقرص الفلافل, وكل ما هو فلسطيني عتيق.
في ظل هذا الصراع، أدرك الشعب الفلسطيني أهمية موروثة في الحفاظ على هويته وصيانة شخصيته الوطنية، فغدا من أكثر الشعوب العربية اهتماماً بموروثه، واستلهاماً لمدلولاته، واستعمالاً لرموزه، باعتباره عنصراً من عناصر الصراع، وسلاحاً من أسلحة المقاومة، فغدت المحافظة عليه وصونه وبعثه واجباً وطنياً مقدساً، لمقاومة صلف الآخر وزيف ادعائه. وفي تجذير هذا التراث، والعودة به إلى أصوله، وإعادته إلى سيرته الكنعانية الأولى، ، تأكيد على انتمائه لأصحابه الذين توراثوه أباً عن جد، وحفاظ على الهوية الوطنية الممتدة جذورها في مغارات التاريخ، ونفي لأساطير الآخر وأوهامه الكاذبة، وادعائه في حقه التاريخي المزعوم .
إن الخطر الذي يتهدّد شعبنا الفلسطيني هذه الأيام ليس احتلال الأرض ومصادرتها، إذ هي في مكانها لن ترحل أو تزول، ولا في إبادة الشعب الفلسطيني، إذ هو منتشر في شتى بقاع الأرض، وإنما الخطر كله في ضياع هذا الموروث الذي يؤدي إلى ضياع الذاكرة وذوبان الهوية الموحدة.
ردّ الإنسان الفلسطيني على كل مظاهر التغييب والتغريب والتهويد، هو التمسك بكل ما هو فلسطيني, والمحافظة على قسمات الهوية، والإيغال في الذاتية للوصول إلى قاع الشعب ومخزونه الجمعي، وبعثه لمواجهة كل مظاهر التغيير في وطن كان يسمّى فلسطين، وما يزال يسمّى فلسطين.
