مع اقتراب موعد المؤتمر الانتخابي لاختيار أعضاء المجلس المركزي للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، تبرز إلى السطح جملة من التساؤلات الجوهرية التي ينبغي التوقف عندها بتأمل ومسؤولية، لعلّ من أبرزها ما يتعلق بالمعايير التي يُفترض أن يعتمدها الناخب في اختيار ممثليه، وهل يُقدَّم حجم المنجز الإبداعي للمرشح على نشاطه النقابي، أم العكس؟
فهي تساؤلات تشكل معضلة، نوعا ما، إذ أنها ليست بالبساطة التي نتصورها، إذ لا يُترجم الإبداع الأدبي، بالضرورة، إلى قدرة تنظيمية أو كفاءة تمثيلية في الشأن النقابي والثقافي العام، وهنا، تبرز الحاجة إلى التمييز بين من يبدع على صعيد الكتابة والتأليف، ومن يمتلك المهارات والخبرة اللازمة للعمل ضمن هياكل الاتحاد، بما يتطلبه ذلك من تواصل مستمر، ووعي بالمطالب الجماعية، وحسن تمثيل لشريحة واسعة من الأدباء، إضافة إلى القدرة على التفاوض، وبناء العلاقات، وتحقيق التوازن بين ما هو أدبي وما هو إداري وتنظيمي.
فهناك من يرى أن معيار الكفاءة في العمل النقابي، بما يحمله من مسؤوليات عملية ومهارات تواصلية وإدارية، ينبغي أن يتقدّم على معيار الإبداع الخالص، فليس المجلس المركزي ساحة للتنافس الإبداعي أو مقياساً لتفوق الأسلوب الأدبي، بل هو فضاء تمثيلي وتنظيمي بالدرجة الأولى، يتطلب من أعضائه الانخراط الفعلي في قضايا الأدباء ومتابعة شؤونهم، والدفاع عن حقوقهم، والعمل الجاد من داخل أروقة الاتحاد لصالح جميع المنضوين تحت مظلته، وليس لمكانة الفرد ومجده الشخصي.
إذ أن اختزال المفاضلة بين المرشحين بمعيار الإبداع وحده، قد يُفضي إلى نتائج لا تخدم البنية المؤسسية للاتحاد، ولا تعين الأدباء على تجاوز التحديات المتراكمة، ولذلك، فإنّ من الحكمة أن يُمنح الصوت لمن يُظهر جدارة حقيقية بالتحرك الفعلي داخل المؤسسة الثقافية، ومن يُبرهن على التزامه بقضايا الجماعة، لا بمن يتفوّق إبداعياً فقط، مهما بلغ ذلك الإبداع.
غير أن الانحياز إلى معيار الكفاءة النقابية وحدها، مع استبعاد أو تهميش المنجز الإبداعي، يفتح بدوره باباً لنقاش لا يقل أهمية؛ إذ لا يمكن أن يغيب عن البال، أن الاتحاد، بصفته كياناً ثقافياً قبل أن يكون تنظيمياً، يقوم في جوهره على رمزية الفعل الإبداعي، وعلى ما يُشكله حضور الأدباء والكتّاب من عمق معنوي وهوياتي في المشهد العام، فالمؤسسة التي لا يُضيء مساراتها وعي جمالي أصيل، وتخلو من رموز ثقافية ذات أثر معرفي وإبداعي، تخاطر بأن تتحول إلى جهاز بيروقراطي بحت، منفصل عن روح الكتابة وهموم النص، بل وعن تطلعات الأدباء أنفسهم.
لذا فهناك وجهة نظر أخرى مقابلة ترى أن الإبداع، مهما بدا فردياً أو نخبوياً، يحمل في طياته قيمة تمثيلية لا تقل عن قيمة النشاط النقابي، فالأديب الذي يُنتج نصاً فارقاً، أو يساهم في تجديد الرؤية الجمالية والسردية، هو أيضاً صوت فاعل في تشكيل الهوية الثقافية للاتحاد، وقادر، بحكم حضوره الرمزي وتأثيره الفكري، على توجيه السياسات الثقافية وتمثيل الأدباء في المحافل الكبرى بصورة تليق بثقلهم الحضاري.
لذا فإن الموازنة بين هذين البعدين – الإبداعي والنقابي – تبدو الخيار الأمثل الذي يُجنّب المؤسسة فخ الانغلاق على البُعد الإداري أو الانفصال عن مكوّنها الجمالي، إذ لا ينبغي أن يكون معيارنا إبداعيا فقط، وخاصة إن كان منغلقاً على ذاته أو متعالياً على هموم الجماعة، ولا من يُجيد الإدارة فقط إن كان يفتقر إلى الرؤية الثقافية والأدبية اللازمين لقيادة مؤسسة أدبية وثقافية لها ثقلها في المشهد الثقافي العراقي، كاتحاد الأدباء، فهو لا يحتاج إلى بيروقراطيين بقدر ما يحتاج إلى أدباء يمتلكون حسّ المسؤولية النقابية، وإلى نقابيين يستمدون مشروعيتهم من صلتهم العضوية بروح الإبداع.


