الواقع في الساحات مختلف عن الشاشات … بوصلة المواقف …

الواقع في الساحات مختلف عن الشاشات ... بوصلة المواقف ...
الحرب على إيران لن تكون معركة محسوبة بل زلزالًا جيوسياسيًا، ستُفكك نتائجه البنية التي قامت عليها العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع في الساحات، كما...

في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، تلوح بعض الأصوات بالدعوة إلى مواجهة عسكرية مع إيران، وكأن الأمر مجرد مناورة عابرة أو معركة محدودة يمكن التحكم بمآلاتها. غير أن الواقع على الأرض يختلف كليًا عن التصورات المريحة التي تسوقها بعض وسائل الإعلام والمنصات السياسية. فالحرب على إيران، إن وقعت، لن تكون كسابقاتها من المواجهات الإقليمية، بل ستكون بداية لانهيار شامل للمنظومة الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، وربما أبعد من ذلك …

الانهيار الإقليمي المحتوم

أي حرب على إيران ستجر معها انهيارًا متسلسلًا للأنظمة والدول المتورطة فيها. إيران ليست دولة معزولة ولا جيشها هش كما يحلو للبعض تصويره؛ بل تمتلك منظومة دفاعية وهجومية شديدة التعقيد والانتشار عبر قوى إقليمية متحالفة، تمتد من الخليج إلى المتوسط. ومع اندلاع الحرب، لن تظل المصالح الأمريكية وقواعدها العسكرية في مأمن، بل ستكون جميعها تحت مرمى الهجمات الإيرانية بشكل مباشر …

خيارات واشنطن: بين المستحيل والمكلف

أمام الولايات المتحدة خياران أحلاهما مر:

الأول: التصعيد باستخدام السلاح النووي ضد إيران، وهو خيار كارثي سيمنح إيران مبررًا مشروعًا لإطلاق مشروعها النووي العسكري بلا قيود دولية، وسيدمر ما تبقى من صورة واشنطن كدولة راعية للقانون الدولي ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل …

الثاني: الانسحاب التدريجي من المنطقة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا نظراً للتكلفة الباهظة لأي صراع شامل. وفي حال حدوثه، ستجد الأنظمة التي اعتمدت لعقود على المظلة الأمنية الأمريكية نفسها مكشوفة وعاجزة أمام القوى الإقليمية المتصارعة …

لا قوة بديلة

الفراغ الناتج عن انسحاب الولايات المتحدة لن تستطيع أي قوة دولية أخرى ملؤه. لا أوروبا تملك الإرادة ولا القدرات العسكرية، ولا الصين أو روسيا مستعدتان للانغماس في مستنقع الشرق الأوسط. والأسوأ من ذلك، أن إسرائيل نفسها ستفقد الغطاء الأمريكي، مما يعرض أمنها الداخلي لمخاطر وجودية غير مسبوقة …

إيران لن ترفع الراية البيضاء

على عكس ما يتوهمه البعض، إيران دولة محورية تملك إرادة سياسية صلبة وشبكات دعم مسلحة واسعة. لن ترضخ طهران مهما كانت شدة الضربات، ولن تتوقف الحرب إلا بإحدى نتيجتين: هزيمة الولايات المتحدة ومن معها، أو تحوّل المنطقة بأسرها إلى ساحة دمار شامل وفوضى لا يمكن السيطرة عليها …

الحكمة تقتضي منع الحرب

من هنا، فإن الحكمة تقتضي السعي الحثيث لمنع اندلاع الحرب بكل السبل الممكنة. التورط في صراع مع إيران ليس مجرد عملية عسكرية كما تُصوِّرها بعض التحليلات التلفزيونية، بل انتحار سياسي واستراتيجي بكل معنى الكلمة. أما أولئك الذين يلهثون وراء قرع طبول الحرب، فهم غارقون في حسابات ضيقة، لا تصلح إلا لعناوين الأخبار والمناظرات الإعلامية، لكنها أبعد ما تكون عن فهم تعقيدات الواقع الاستراتيجي في المنطقة ..

الخلاصة … الحرب على إيران لن تكون معركة محسوبة بل زلزالًا جيوسياسيًا، ستُفكك نتائجه البنية التي قامت عليها العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع في الساحات، كما تكشفه موازين القوى وحسابات المصالح، مختلف تمامًا عن التصورات المرسومة على الشاشات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *