لقد تعرض اليمن لسنوات من الحرب والتدخل العسكري والحصار، وكان الشعب اليمني هو الذي يدفع الثمن الأكبر من دماء أبنائه وأمنه واستقراره وقوته اليومي، وكل ذلك نتيجة خلافات سياسية وصراعات على شكل النظام الحاكم واتجاهاته، وتضارب الرؤى والمصالح بين القوى الإقليمية. فأهل اليمن لهم خياراتهم وتطلعاتهم، وللدول الأخرى حساباتها ومصالحها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يحق لدولة، مهما بلغت قوتها، أن تفرض إرادتها على شعب آخر بالقوة، لمجرد أن خياراته السياسية لا تتفق مع ما تريده هي؟
لقد دخلت المملكة العربية السعودية، ومعها دول أخرى في المنطقة، في مواجهة عسكرية مع اليمن، تحت عناوين وأهداف سياسية وأمنية معلنة، لكن سنوات الحرب كشفت عن مأساة إنسانية ثقيلة، وعن شعب لم تنكسر إرادته رغم ما تعرض له من قتل ودمار وفقر وجوع. فالشعوب ليست جيوشاً تُهزم في معركة فتنتهي الحكاية، وليست أرقاماً تُحصى في نشرات الأخبار، بل هي ذاكرة وهوية وإرادة، وقدرة على الصمود حتى في أشد الظروف قسوة.فطائرات مسيرة بسيطة الصنع قطعا لاتقارن بطائرات الF16 او الF35 او الB52 او للB2 او السلاح الامريكي المتطور او السلاح المزود برؤوس نووية محدوده ولكن الشعب اليمني الصابر الصامد لن ينهزم ولم ينهزم الم يسألوا انفسهم كيف ولماذا ،؟ انه ببساطة هو الشعب اليمني وهذا يكفي ليعرف العالم ماذا نعني فهم الايمان والعزه والكرم والشجاعه والثبات بل هم كل معاني الرجوله والايمان وهذا يكفي !!
ولعل من أبرز ما أظهرته التجربة اليمنية أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تضمن إخضاع الشعوب، وأن إرادة الإنسان حين ترتبط بالأرض والكرامة والهوية قد تصمد أمام ما تعجز عن احتماله جيوش بأكملها. وهذا لا يعني أن استمرار الحرب انتصار بحد ذاته، ولا أن معاناة اليمنيين ينبغي أن تُقرأ بمنطق الانتصار والهزيمة وحده؛ فالمأساة الحقيقية هي مخططات وصناعات وبحوث في الغرف المظلمة أن يدفع المواطن البسيط ثمن صراعات لم يخترها، وأن يصبح رغيف الخبز والدواء والأمان أحلاماً بعيدة في بلد عربي عريق.وهذا المخطط يسير بوتيره متسارعه ومن نتائجه تنصيب رؤوس حكومات لدول مؤثره كسوريا ودول خليجيه وعربية اخرى ولم يتبقى من يحمل الراية الا ايران ومجاميع متفرقة في دول عربيه والعمل جاري لاخضاعها بطرق متنوعه واسباب مفتعله ونزع سلاح واتخاذ سياسات اقتصادية مؤثره من اجل وأد الدين الاسلامي المحمدي الحقيقي ،فتتسيد ويتم لها تطبيق ماتريد !!
ثم جاءت التحولات السياسية، وتبدلت المواقف والتحالفات، وعادت أطراف يمنية إلى مسارات التفاهم مع قوى إقليمية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتهاء الخلافات أو زوال أسباب الصراع. وبقي اليمن، على الرغم من كل ما مر به، حاضراً في معادلة إقليمية تتداخل فيها الحسابات المحلية مع المصالح الدولية، وتتنافس فيها القوى على النفوذ ومواقع التأثير وتبقى كلها ارهاصات تدفع بأتجاه واحد.ويبقى الامل في ابطال اليمن ثابتا ،،
لكن ما يستوقفني اليوم، في خضم هذه التحولات، هو الموقف الذي يُنسب إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن الوقوف إلى جانب المملكة العربية السعودية. وهنا لا بد من التمييز بين حق الدول في حماية أمنها، وبين السؤال الأوسع المتعلق بموقف العرب من بعضهم بعضاً: أين كان هذا الحماس للعروبة حين كان اليمنيون يواجهون الموت والجوع والدمار؟ وأين كانت الدعوات إلى التضامن العربي حين كان الشعب اليمني يحتاج إلى من يمد إليه يد العون، لا إلى من يزيد معاناته؟
أليست اليمن دولة عربية؟ أليس شعبها جزءاً أصيلاً من الأمة العربية؟ او ان اليمن اصل العرب ، أم أن العروبة أصبحت
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل تُبنى المواقف العربية على وحدة المصير والمبادئ المشتركة، أم على حسابات المصالح وما يمكن أن تحققه العلاقات السياسية والاقتصادية؟ لا يمكن الجزم بدوافع أي موقف سياسي من دون أدلة واضحة، لكن من حق المواطن العربي أن يتساءل عن معايير التضامن، وأن يطالب بأن تكون كرامة الإنسان العربي واحدة، وألا تتغير قيمته بتغير ثروة بلاده أو موقعها في خريطة النفوذ.
أما مصر، التي تحمل تاريخاً طويلاً من الحضور العربي، فإن موقفها من اليمن يستدعي استحضار تجربة تدخلها العسكري في شمال اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، وما تكبدته القوات المصرية آنذاك من خسائر بشرية ومادية في حرب معقدة انتهت بانسحابها عام 1967. والتاريخ هنا ليس لاستدعاء الخصومة بين الشعوب، بل لاستخلاص الدروس؛ فالتدخلات العسكرية في اليمن أثبتت أن هذه البلاد ليست ساحة سهلة يمكن حسم مستقبلها من خارج إرادة أبنائها.
وليس من مصلحة مصر ولا السعودية ولا أي دولة عربية أن يتحول اليمن إلى جرح مفتوح يستنزف المنطقة، كما ليس من مصلحة اليمن أن يبقى أسير الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية. إن الطريق إلى الاستقرار لا يبدأ بإخضاع الشعوب، بل بالحوار واحترام السيادة، ومعالجة جذور الخلاف، وإعطاء اليمنيين فرصة حقيقية لتقرير مستقبلهم بعيداً عن الإملاءات والحروب بالوكالة.
إن العروبة ليست عقداً تجارياً، ولا موقفاً
فإذا كانت المملكة العربية السعودية دولة شقيقة تستحق التضامن حين تواجه خطراً، فإن اليمن أيضاً دولة شقيقة تستحق التضامن حين يُقتل أبناؤها ويجوع أطفالها وتُدمّر مدنها دون ذنب لقترفته. وإذا كان أمن السعودية مهماً، فإن أمن اليمن ليس أقل أهمية، ودماء اليمنيين ليست أقل قيمة من دماء أي شعب عربي آخر.
فإلى متى تبقى المصالح أقوى من الأخوة؟ والدين ! وإلى متى نرفع شعار وحدة العرب، بينما تتركنا مآسينا نتساءل: هل بقي من العروبة ما يكفي لنشعر بآلام بعضنا بعضاً؟
أم أن العروبة، في زمن المصالح، أصبحت تُقاس بما تملكه الدول في خزائنها، لا بما تحمله في ضمائرها؟


