تبرعات شراء الفيلة.. الضائع من مفكرات الفيلسوف (بيدبا)!

تبرعات شراء الفيلة.. الضائع من مفكرات الفيلسوف (بيدبا)!
يعتمد النص على حكاية رمزية لنقد سلطة منشغلة بالمظاهر واستعراض القوة، بينما تتجاهل الأزمات المعيشية ومطالب الناس. ويكشف كيف تُستغل الوطنية والولاء لتبرير الإنفاق العبثي وإسكات الاعتراض بدلاً من معالجة المشكلات الحقيقية...

يذكر أحد متعقبي فلسفة وأهداف سفر كتاب «كليلة ودمنة»، الذي سيطر على الثقافة العربية والشرق أوسطية لقرون عديدة، حتى رسخت مفاهيمه الظاهرية في قلب وفكر المثقف المحلي، فيما كانت بواطن بواعثه تغلي في بطون وشهوات السلطات المتعاقبة؛ إذ ما زال أثره سائداً أو متمحوراً، كأنه يبحث عن قطعة مفقودة أو حذفها قصداً الرقيب السلطوي من قصاصة أفكار الفيلسوف الهندي (بيدبا)، صاحب النص الأصلي الذي تفضّل بنشره الكاتب الشهيد (ابن المقفع)، لما لها من مضمون سياسي لا تراثي، بما ينبغي معه تسليط الضوء على نقطة أساسية أخرى في التتبع السردي، أو ما يسمى أحياناً أناقة «البحث».

جاء فيه:

يقال إن أزمة اقتصادية حادة ضربت البلاد، حتى أصبح التهديد وجودياً لقيادة الوالي وحاشيته، وتشابك أثر الملفات السلبية السائدة، مما زاد أوار التشكيك الشعبي والحراك النخبوي المتجه نحو الغليان وربما الثورة. اضطر الوالي إلى عقد اجتماع لحلحلة الأزمة وإيجاد حلول، كما أراد أن يضرب أكثر من عصفور بحجر، بناءً على نصيحة داهية من مستشاريه وبطانته المستفيدة. فتمت دعوة بعض مسؤولي ملفات الخدمة الشعبية، وعدد أكبر من النخب وبعض مروجي الأخبار الشعبيين ومتطوعي الإشاعة. وقد استمع الوالي إلى المطالب التي انحصرت أكثرها في أهمية إيجاد حل لتوفير مستلزمات وحاجات الناس، من قبيل: (البصل والتمر والرز والشعير)، بوصفها متطلبات أساسية، فيما ذهب آخرون إلى ضرورة توفير الحطب لأن الشتاء قادم.

وقال آخر: (سيدي، نحن نحتاج إلى تطوير المعبد وتغيير منهجيته السائدة منذ قرون، وبدلاً من أن يكون فقط للصلاة والدعاء، يتطلب أن ندخل فيه محاضرة يومية تثقف الشعب وتوعيه). فهز الوالي رأسه بالإيجاب، ثم استمع إلى متحدث آخر، وهو صابر حانق كاظم ما يختلج في الصدور: (إن الشتاء قادم، والسيول والأمطار ستجرف بيوت الناس، ونحتاج إلى حملة شعبية حكومية لحفر نهر كبير في المنطقة المنخفضة من المدينة، للإفادة من مناسيب المياه المتساقطة والسيول القادمة، ثم تجاوز نكبات الماضي البعيد والقريب).

بعد ذاك تشاور الوالي مع كبار دهاة حاشيته، فتقرر إلقاء خطبة عصماء محورها الشهرة والتشهير. ذكر فيها الله وحمده على ما آتاه من الحكم والسلطة، ثم بكى لحال الأمة حتى أجهشت الحاشية بالصراخ والعويل، فقال: (يا أبنائي، لقد سمعت مطالبكم المحقة ومحط اهتمامي، وقد كنت أفكر فيها حقاً قبل مجيئكم ولقائكم المبارك هذا، لذا كلفت الأخ المشاور المسؤول عن ملف «ترسيخ حب الوطن وعشق المواطنة»، وتعرفون إخلاصه وجديته. فقررنا استيراد مائة فيل من أعظم أفيال العالم، بأي مكان كانت، وبأي تكاليف باهظة، لأن أسعارها غالية جداً ومكلفة، بما يتطلب همتكم ومساعدتكم بصورة تثبتوا فيها الولاء للشعب والأمة والمعبد، كما عهدتكم في أزمات سابقة، على أن نجمع المبلغ المطلوب بالمشاركة الشعبية كي نشعر بدفء العلاقة. ومن لا يدفع سيكون خارج هموم المواطنة، ولا يستحق البقاء معكم وبين ظهرانيكم، بما يتطلب قطع رأسه كي لا يقف حجر عثرة بطريق خدمات الشعب وتطلعاته).

صدمة:

عند ذاك صمت الجميع، وأخذ كل واحد يحك أسفل رقبته ويتلفت يميناً وشمالاً. لم ينبس أحدهم بكلمة، كأن الفيل على صدورهم، إلا أن أحد المثقفين الواعين قال: (سيدي، وما علاقة الفيلة بالأزمات؟). فتطوع أحد كبار الحشاية وأعظمهم تأثيراً وسطوة، كأنه كان ينتظره، فقال: (يا ابني، إن الفيلة مصدر عزة وهيبة واحترام للسلطة والدولة، وهي رمز القوة الذي نرعب به أعداءنا. لذا سنعمل المستحيل من أجل استيرادها لتحقيق كل الأهداف المرسومة والمطالب الحقة، سيما سحق رؤوس الأفكار الهدامة التي تسعى لخلق الفتنة وتأجيج الشعب ضد السلطة. أما أنت، فبكل تأكيد سيعينك الوالي عنده، لأنك تحمل أفكاراً ثورية شابة يحتاجها جلالته).

مرجوحة الانفضاض:

انفض الاجتماع وعرف كلٌّ دوره، وذهب الناس إلى حراثة الأرض بأيديهم وأسنانهم حتى يحل موسم حصاد البصل، إن هطلت سماؤهم مطراً، قبل أن ترعد وتزمجر قصور الوالي بأصوات الفيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *