الأمم المتحدة بين القرار الأمريكي والشرعية الدولية في الملف الايراني

الأمم المتحدة بين القرار الأمريكي والشرعية الدولية في الملف الايراني
يتطلب الملف الإيراني تمييزاً دقيقاً بين العقوبات الأمريكية الأحادية والقرارات الأممية الملزمة والدور الفني للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فيما تبرز الحاجة إلى دور أممي متوازن يعزز التحقق والتفاوض ويحدّ من التصعيد وتداعياته الإقليمية...

لم يعد دور الأمم المتحدة في التعامل مع الملف الإيراني مقتصراً على كونها مؤسسة دولية تتابع أزمة نووية أو خلافاً سياسياً بين دولتين، بل أصبح هذا الدور جزءاً من معادلة دولية أكثر تعقيداً تتداخل فيها القرارات الأمريكية مع آليات الشرعية الدولية، وتتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع قواعد القانون الدولي ومصالح الدول الإقليمية . ولذلك فإن فهم دور الأمم المتحدة تجاه القرارات الأمريكية المتعلقة بإيران يتطلب أولاً التمييز بين ما تقرره واشنطن بصورة منفردة، وبين ما يصدر عن مجلس الأمن بوصفه الجهة الدولية التي تمتلك صلاحيات محددة في مجال السلم والأمن الدوليين . فالولايات المتحدة تستطيع، وفق قوانينها الوطنية، أن تفرض عقوبات اقتصادية ومالية وتجارية على إيران وعلى مؤسسات أو أفراد أو شركات ترى واشنطن أنهم مرتبطون ببرامج عسكرية أو نووية أو بشبكات مالية أو تسليحية .

وهذه العقوبات الأمريكية لا تحتاج، من حيث الأصل، إلى قرار من مجلس الأمن حتى تدخل حيز التنفيذ داخل النظام القانوني الأمريكي، لكنها تصبح أكثر تأثيراً عندما تتقاطع مع قرارات دولية أو عندما تدفع واشنطن حلفاءها وشركاءها إلى تبني إجراءات مماثلة . ومن هنا تظهر أهمية الأمم المتحدة، ليس باعتبارها الجهة التي تنفذ كل قرار أمريكي، وإنما باعتبارها الساحة التي يجري فيها اختبار مدى توافق الإجراءات الدولية مع قواعد القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن . لقد شهد الملف الإيراني خلال العقدين الماضيين مراحل متعددة. ففي عام 2006 أنشأ مجلس الأمن نظاماً للعقوبات على إيران بموجب القرار 1737، ثم توسعت الإجراءات عبر قرارات لاحقة شملت قيوداً على الأنشطة النووية والصاروخية وبعض المعاملات والأصول والأفراد والكيانات. وكان جوهر الموقف الدولي آنذاك هو منع انتشار الأسلحة النووية ودفع إيران إلى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية . ثم جاءت الاتفاقية النووية لعام 2015، المعروفة باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، التي أيدها مجلس الأمن بالقرار 2231، وأدت في مرحلة تنفيذها إلى إنهاء مجموعة من العقوبات الأممية السابقة وفق الجدول الزمني المحدد فيها . لكن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وما تبعه من سياسة «الضغط الأقصى» أعاد الأزمة إلى مربع جديد. فقد أصبحت واشنطن تستخدم أدوات العقوبات الاقتصادية بصورة واسعة ومستقلة، بينما استمرت الدول الأوروبية في محاولة الحفاظ على الاتفاق النووي أو منع انهياره الكامل. وفي هذه المرحلة برزت الأمم المتحدة بوصفها مساحة للتفاوض والاحتواء، ولكنها لم تكن قادرة على منع الولايات المتحدة من تطبيق عقوباتها الوطنية، لأن مجلس الأمن لا يملك سلطة إلغاء كل إجراء اقتصادي تتخذه دولة بصورة منفردة داخل نظامها القانوني .

وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي ينبغي التوقف عندها: الأمم المتحدة ليست أداة تنفيذ للقرار الأمريكي، كما أن الولايات المتحدة ليست صاحبة القرار داخل الأمم المتحدة بمفردها. مجلس الأمن يتكون من خمسة عشر عضواً، بينهم خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض، ولذلك فإن أي قرار دولي بشأن إيران يخضع لحسابات الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، إضافة إلى مواقف الأعضاء غير الدائمين. وقد أعادت هذه الحقيقة نفسها الظهور بقوة بعد تفعيل آلية «العودة التلقائية» للعقوبات المتعلقة بإيران في عام 2025. فالدول الغربية رأت أن استمرار عدم التزام إيران ببعض تعهداتها النووية يتيح استخدام الآلية المنصوص عليها في القرار 2231، بينما اعترضت روسيا والصين على هذا التفسير وعلى استمرار بعض الإجراءات المرتبطة بالقرار. وبالتالي فإن المسألة لم تعد مجرد خلاف أمريكي إيراني، وإنما تحولت إلى خلاف حول تفسير آليات الشرعية الدولية نفسها. وهذا التطور مهم جداً؛ لأن العقوبات الأممية تختلف عن العقوبات الأمريكية في طبيعتها القانونية.

عندما يصدر مجلس الأمن قراراً ملزماً في إطار صلاحياته، فإن الدول الأعضاء مطالبة بتنفيذه وفقاً لالتزاماتها بموجب ميثاق الأمم المتحدة. أما العقوبات الأمريكية المنفردة، فهي تستند إلى التشريع الأمريكي وتطبق بصورة مباشرة على الأشخاص والكيانات الخاضعة للولاية الأمريكية، وقد تمتد آثارها خارج الأراضي الأمريكية عندما تتعامل الشركات والمؤسسات الأجنبية مع النظام المالي الأمريكي أو تخشى التعرض للعقوبات الثانوية. ومن هنا نشأ تأثير أمريكي واسع يتجاوز الحدود القانونية المباشرة للعقوبات الوطنية. فالكثير من الشركات والبنوك الدولية ترتبط بالنظام المالي العالمي، ولذلك قد تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين التعامل مع السوق الإيرانية وبين المحافظة على علاقاتها المالية والتجارية مع الولايات المتحدة. وهذا ما يجعل العقوبات الأمريكية أداة ذات تأثير دولي حتى عندما لا تكون صادرة عن مجلس الأمن.

أما الأمم المتحدة، فوظيفتها الأساسية في هذه الحالة تتمثل في المحافظة على الإطار الدولي للأزمة، ومتابعة تنفيذ القرارات الدولية، وإتاحة المجال للدبلوماسية، وتوفير مرجعية قانونية وسياسية يمكن للدول الرجوع إليها. كما أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤدي دوراً فنياً محورياً في مراقبة البرنامج النووي الإيراني، وهي تختلف عن مجلس الأمن في طبيعتها واختصاصها؛ فهي لا تفرض العقوبات بذاتها، وإنما تقدم تقارير وتقييمات فنية يمكن أن تصبح جزءاً من عملية صنع القرار الدولي. وهذا الفصل بين الدور الفني والدور السياسي ضروري لفهم المشهد.

فالوكالة الدولية للطاقة الذرية تقدم المعلومات المتعلقة بالرقابة والتحقق، بينما ينظر مجلس الأمن في التداعيات على السلم والأمن الدوليين، في حين تستخدم الولايات المتحدة أدواتها الوطنية للضغط الاقتصادي والسياسي. وإذا اختلطت هذه الأدوار، يصبح من السهل تصوير كل إجراء أمريكي على أنه قرار أممي، وهو أمر غير دقيق من الناحية القانونية والسياسية. والأهم من ذلك أن الأمم المتحدة تواجه معضلة حقيقية عندما تكون القوى الكبرى نفسها مختلفة على تفسير القرار الدولي. ففي حالة إيران، ظهرت انقسامات واضحة بين الولايات المتحدة والدول الغربية من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى. وهذه الانقسامات تقلل قدرة المنظمة الدولية على تقديم موقف موحد، لكنها لا تلغي أهميتها. فحتى عندما يفشل مجلس الأمن في الوصول إلى توافق سياسي كامل، تبقى الأمم المتحدة المنصة الرئيسية التي تعرض فيها المواقف وتناقش فيها الملفات الدولية وتوثق فيها المواقف الرسمية. ومن الناحية المنطقية، فإن استمرار استخدام العقوبات وحدها لا يبدو كافياً لحل المشكلة الإيرانية. العقوبات قد تضغط على الاقتصاد وتحد من قدرة بعض المؤسسات على الوصول إلى الأسواق والتمويل والتكنولوجيا، لكنها لا تضمن وحدها الوصول إلى اتفاق سياسي أو نووي دائم. وفي المقابل، فإن رفع العقوبات دون وجود آليات تحقق ومراقبة واضحة قد لا يحقق الغرض الذي تريده الأطراف الدولية المعنية بالحد من الانتشار النووي. ولهذا فإن الدور الأكثر واقعية للأمم المتحدة ينبغي أن يتحول من مجرد تسجيل الخلافات إلى دعم مسار تفاوضي قابل للاستمرار. فالهدف النهائي لأي نظام عقوبات يفترض أن يكون تغيير السلوك أو دفع الأطراف إلى اتفاق، وليس تحويل العقوبات إلى غاية دائمة بذاتها. وإذا أصبحت العقوبات هدفاً مستقلاً، فقد تتحول الأزمة من ملف قابل للتفاوض إلى حالة صراع مفتوحة يصعب احتواؤها. كما أن الأمم المتحدة مطالبة بالحفاظ على التوازن بين أمن المنطقة وحقوق الدول. فمن حق المجتمع الدولي أن يطالب بضمانات تمنع انتشار الأسلحة النووية، ومن حق إيران، في الوقت نفسه، أن تطالب بتفسير واضح للالتزامات المفروضة عليها وباحترام حقوقها المنصوص عليها في المعاهدات الدولية. والمطلوب هنا ليس مساواة جميع المواقف ببعضها، بل الاحتكام إلى الأدلة الفنية والقانون الدولي والالتزامات التي وافقت عليها الأطراف. وتزداد أهمية هذا الدور بسبب انعكاسات الصراع الإيراني الأمريكي على دول المنطقة، ولا سيما العراق ودول الخليج والدول الواقعة على خطوط التجارة والطاقة. فأي تصعيد كبير بين واشنطن وطهران لا يبقى محصوراً داخل الحدود الإيرانية، بل يمكن أن يؤثر في حركة الملاحة وأسعار الطاقة وأمن الحدود وحركة الطيران والتجارة والاستقرار السياسي في الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، فإن العراق تحديداً يحتاج إلى دور أممي أكثر فاعلية في منع تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.

فالعراق يرتبط بعلاقات جغرافية واقتصادية وأمنية مع إيران، وفي الوقت نفسه تربطه علاقات دولية واسعة مع الولايات المتحدة والدول الغربية. ولذلك فإن أي سياسة ضغط شاملة قد تنتج آثاراً مباشرة أو غير مباشرة على الاقتصاد العراقي وحركة التجارة والطيران والطاقة. إن المنطق السياسي السليم يقتضي أن تعمل الأمم المتحدة على الفصل بين الخلافات الدولية وبين مصالح الشعوب والدول التي قد تتأثر بها. فلا ينبغي أن تتحول العقوبات إلى وسيلة تعاقب اقتصاديات دول أخرى بصورة غير مباشرة، ولا ينبغي في المقابل أن تتحول الأراضي العراقية أو غيرها إلى ممر للالتفاف على العقوبات أو إلى ساحة للمواجهة العسكرية. وفي المرحلة المقبلة، سيكون أمام الأمم المتحدة اختبار حقيقي: هل تستطيع أن تبقى وسيطاً دولياً مستقلاً نسبياً في ظل الانقسام بين القوى الكبرى؟ الإجابة لن تتحدد بالبيانات وحدها، وإنما بقدرتها على إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، وتشجيع إجراءات التحقق، ومنع التصعيد، ودعم أي اتفاق واضح وقابل للرقابة.

فالولايات المتحدة تملك أدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية كبيرة، وإيران تملك أوراقاً إقليمية وجغرافية وأمنية مؤثرة، بينما تمتلك الأمم المتحدة أهم ما تحتاجه الأزمات الدولية طويلة الأمد: الشرعية المؤسسية ومنصة الحوار والإطار القانوني الدولي. لكن قيمة هذه الأدوات تتوقف على مدى قدرة المنظمة على ممارسة دور متوازن، وعلى استعداد الدول الكبرى للتعامل معها باعتبارها مؤسسة دولية وليست ساحة إضافية للصراع. وفي المحصلة، لا يمكن القول إن الأمم المتحدة هي صاحبة القرارات الأمريكية ضد إيران، ولا يمكن أيضاً تجاهل تأثير القرارات الأمريكية في عمل المؤسسات الدولية. العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً: واشنطن تستخدم أدواتها الوطنية للضغط، ومجلس الأمن يقرر ما يدخل في نطاق العقوبات الدولية الملزمة، والوكالة الدولية للطاقة الذرية توفر الجانب الفني المتعلق بالبرنامج النووي، بينما تحاول الأمم المتحدة بصورة أوسع إبقاء الأزمة ضمن إطار الدبلوماسية والقانون الدولي. ومن هنا فإن الحل الأكثر قابلية للاستمرار لا يكمن في العقوبات وحدها، ولا في المواجهة العسكرية، ولا في تجاهل المخاوف الدولية، وإنما في اتفاق واضح يقوم على التحقق المتبادل، والالتزام المتدرج، والضمانات، ورفع العقوبات وفق مراحل محددة مقابل خطوات يمكن التأكد منها.

وفي مثل هذا المسار تستطيع الأمم المتحدة أن تستعيد دورها الطبيعي: ليست طرفاً في الصراع، وليست غطاءً لسياسة دولة بعينها، وإنما إطاراً دولياً يساعد الأطراف على الانتقال من منطق الضغط والمواجهة إلى منطق التفاوض والضمانات . إن أزمة إيران ليست أزمة عقوبات فحسب، بل أزمة ثقة متراكمة بين إيران والولايات المتحدة، وأزمة تفسير للالتزامات الدولية، وأزمة أمن إقليمي، وأزمة في النظام الدولي نفسه . ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى مؤسسة دولية قادرة على جمع المتناقضات لا على زيادة الانقسام بينها. وإذا نجحت الأمم المتحدة في أداء هذا الدور، فإنها لن تكون مجرد شاهد على الأزمة، بل يمكن أن تكون جزءاً من الطريق نحو تسوية تحفظ الأمن الدولي، وتمنع الانتشار النووي، وتحمي دول المنطقة من تداعيات الصراع، وتفتح في الوقت نفسه باباً لعلاقات دولية أكثر استقراراً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *