يُعدّ الأدب عاملاً مهماً في صناعة الحضارة الإنسانية لأنّه يُسهم في الارتقاء بالواقع الثقافي من خلال عكس التجربة الشعورية للمجتمع، لذا فقد أسهم الأدب بشكل عام والشعر منه خاصة بشكل فاعل في مواجهة التحديات التي تواجه المجتمع، والشاعر الدكتور السيد مصطفى جمال الدين (1927– 1996) من الشخصيات الأدبية التي سخرت شعرها لخدمة المبدأ الذي يؤمن به وهو الإنسان أعلى قيمة في الوجود)، ولعل مثل هذا المبدأ الذي عكسه الشاعر في شعره من المبادئ التي يصعب تحقيقها في العراق بغياب حق المواطنة وحقوق الإنسان وفي خضم الأزمة الحادة بين الشعب العراقي والسلطة, وبعد أن تشكل وعيه أصبح التغيير هاجساً يرافقه و مصدر قلقه الدائم فصاغه شعراً يعكس من خلاله مأساة شعبه، وحسب قول أحد النقاد: (ويمكننا أن نلحظ التمرد والسخط على الواقع والنقمة على الحكام في قصائده المتنوعة التي نظمها في أكثر من مناسبة فهو يرى أنّ الحرية كأشعة الشمس يجب أن تُمنح لكل وطن ومواطن).
والشاعر مصطفى جمال الدين هو من رواد القصيدة العمودية الجديدة ومن مدرسة الشعر النجفي المعاصر التي تقترن بأسماء الحبوبي والشبيبي والشرقي والجواهري الذي إمتزج وجدانهم الشعري بالضمير الصافي والإرادة الصافية تجاه قضايا المجتمع والأمة، يقول الأستاذ الدكتور زهير غازي زاهد وهو يتحدث عن جمال الدين: (كان السيد مصطفى جمال الدين حرَّ الفكر متمرداً على الجمود وهي أهم خصائص المبدع، يميل إلى التجديد في كلَّ شيء ولم يكن يرى الثبات في الحياة ولكنه التجديد المنطلق من التراث ليكون الجديد أصيلاً لا تقليداَ).
وكان الشاعر مصطفى جمال الدين يمثل جيلاً مختلفاً عّما عرفته الحوزة العلمية عبر تاريخها المديد، لقد راح هذا الجيل تحت تأثير دعوات الإصلاح والتجديد التي قادها المصلح والمجدد الشيخ محمد رضا المظفر ينادي بضرورة النظر إلى الثقافة نظرة أخرى جديدة، فقط ظلَّ الشاعر جمال الدين ملتزماً في حبّه لوطنه وأمته وهو مبدع في التعبير عن كل ألوان هذا الحب فكانت إنطلاقه الشاعر من النجف يغني بغداد غناءً شجياً في عيدها الألفي:
بغدادُ…. ما اشَتبكًت ْعليكِ الأعصُرُ
إلاّ ذَوَتْ…… وَوَرِيقُ عُمرِكِ أخضَرُ
نداءٌ يريح النفس ويثيرها يبدأ به قصيدته (بغداد)،
مَرَّتْ بِكِ الدنيا, وصُبحُكِ مُشمِسٌ
وَدَجتْ عليكِ، وَوًجْهُ لَيْلِكِ مُقْمِرُ
ويصور الشاعر بغداد التاريخ و الحضارة، هذه المدينة التي ظلَّ عودها أخضر بالرغم من العصور وصبحها مشمس ووجه ليلها مقمر, فالطبيعة هنا صورة هادئة بخلفية شفيفة تداعب المشاعر، وظفها الشاعر نفسياً من خلال وصفه (بغداد) المدينة الأزلية المورقة بلا إنقطاع، فعمرها زاهٍ بخضرته بالرغم من تعاقب الإحتلالات والغزاة، لذا كان تركيز الشاعر على اللون الأخضر – حسب أحد الباحثين – الذي هو رمز النمو والأمل والحياة والخصوبة كونه اللون الأصيل للدلالة على أنَّ بغداد راجعة إلى ماضيها، فقد حاول الشاعر في قصيدته هذه أن يجسد كل ما يراه ويحس بمنتهى الصدق مع استيعاب لتفاصيل الصورة وجزئياتها لغرض إثارة المتلقي عبر تماسه بها، مع قدرته في تسخير طاقات اللغة من أجل أن يوصل إلى متلقيه صوراً إنفعالية كي يشاركه ذلك الإنفعال, فيقول:
بغدادُ بالسَحَرِ المنّدى بالشذى الـ
ـفواحِ من حُلَلِ الصَبَا يَتَقطَّرُ
بالشاطئ المسحورِ يحضنُهُ الدجى
فيكادُ من حُرَقِ الهوى يَتَنوَّرُ
وبراقدٍ و (الُخلدُ) بعضُ جنانهِ
والسُحبُ مِلكُ يديه أنّى تمطُرُ
ويقول أيضاً:
ظمآنَ, والكاسُ المفاحنَةُ دونَهُ
لو كان يُخدَعُ بالسرابِ ويُمْكَرُ
تأتيه أجساداً، فيصنَعُ روحَها
والطينُ – لولاهُ – الكثيرُ الأوفرُ
وكان الشاعر جمال الدين ينظم الشعر من أجل هدف وطني وروحي و أخلاقي، فيجعل منه منبعاً من منابع الراحة النفسية فيكشف عن المضمون الإنساني لشعريته التي نتلمس منها التجربة الشخصية التي تكشف عن إنسان متميز ينتج شعراً متميزاً بهضمه للتراث المتغلغل في نفسه مع سيطرة واضحة على لغته الشعرية فشكَّلَ شعره وثيقة ثورية نفسية بسطت روحها بين يدي متلقيها، فبغداد تأخذ لدى الشاعر بعداً فنياً متمثلاً بالبعد الرمزي الذي يكشف عن حالته، فهو يسترجع الماضي حتى يعمق من شعورنا ذلك الشعر الذي بلغ ذروته، هذا ما قاله أحد الباحثين وهو يكتب عن الشاعر والقصيدة، ويقول الشاعر جمال الدين:
بغدادً واستقصي الحوادثَ واكشفي
غَبشاً يَطوفُ بِصُبحْهٍا فَيُغَيَّرُ
وَحذارِ أن تَثقِي برأيِ مؤرخ ٍ
للسيفِ – لا لضميرهِ – ما يَسطُرُ
لِمُفَكَّرٍ يَجلو دُجاكِ, و قائد ٍ
يروي به ظَمأُ الفتوحِ فَتُزهِرُ
ومهندسٍ يبني الصُروحَ … وشاعرٍ
بنثاهُ يُسرَج ليلُها و يُعطَّرُ
ومُعلِّمٍ لم يدرِ شاربُ كأسِهِ
ماذا يُقَطَّعُ من حَشاهُ وَيَعصِرُ
بغدادُ أولاءِ الذين تحملوا
أعباءَ مجدِكِ في الخلود وأوقِروا
لقد وُفق الشاعر في بناء قصيدته بفضل تضلعه في الشعر واللغة من جهة، وما اتصف به من ذوق رفيع من جهة أخرى، فهو يخوض غمار العقل و المعقول أَكثر ممّا يساير انطلاق المخيلة مع ابتعاد عن غريب الكلام، وكان المجتمع العراقي قد مَـــرّ بأزماتٍ لا زال يكتوي بنارها وهي غياب المواطنة التي أدت بدورها إلى تقليص الحريات الفردية والجماعية وهذا الموضوع شغل مساحة كبيرة من شعر السيد مصطفى جمال الدين لأنّه كان يرى أنّ الحرية هي المناخ الصحي الذي تنمو فيه الأفكار فيقول:-
بغدادُ آنَ لكِ الأوانُ لترجعي
ما ابتزَ منكِ الحاكمونَ وَزَوَّروا
فوراءَ مجدٍ يرفعون ضمائِرٌ
تُعنى بصدقِ حديثِهِ وتُفسَّرٌ
فَتَنقّدي (ذهباً) يؤطِّرُ عَصَركِ الــ
زاهي بما يُعشي العيونَ ويَبْهَرُ
الى أن يقول:
المالُ بَينَ يديه , يَطَربُ أغيَدٌ
ببليغِ رَنَّتِهِ , ويرقُص أصورُ
فإذا تَطلَّع ( للسَّوادِ ) بَريقُهُ
بُحَّ الرنينُ به, وغاص العُصفُرُ
وبهذا فإنَّ الشاعر جمال الدين – حسب أحد النقاد – يجسد إنتماءه الإنساني على الصعيد الثقافي معبراً عن آفاق إنسانيته الرحبة، موظفاً قلمه في قضايا الوطن والإنسان، وقد عبَّر عن انتمائه الصادق لوطنه في قصائده وما يحمل في قلبه من شوق وحنين إلى الوطن، وهو وفق هذا التصور منتمٍ إلى وطنه وأمته والعالم، لأنّ نظرته إلى الوجود نظرة كونية بلا حدود، لهذا فقد انطلق من رؤية شاملة من دون أن يفقد خصوصية وتحقيقاً لوحدة الإنسان بين انتمائه الوجودي وانتمائه الإنساني الكوني، قال الجواهري بحق الشعر جمال الدين: (ستجد في أبيات مصطفى جمال الدين الجمال والتأثير وستبقى أشعاره تنبض بالحياة وأحزان الغربة وتورق بكل ما هو جميل وبديع و إنساني).


