{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}
إنَّ التوسع بالإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل وتخريب الدور ودفن أهلها تحت أنقاضها صار ديدناً للصهيونية، وبلغ بهم الحقد إلى محاصرة بعض الدول الإسلامية في فلسطين والجمهورية الإسلامية في إيران ولبنان ويمن الإيمان والحكمة، وصار أتباعها ممن توفرت لهم أسباب القوة يميلون إلى الاقتداء بها كما هو حاصل مع من يحاصر اليمن وغيره، حيث امتزج الهوى السياسي بالأطماع المادية لفرض التبعية ومصادرة الكرامة.
أما الإسلام فقد حذر من الفساد بعبارات واضحة تدعو إلى اقتلاع هذه الرذيلة من قلوب أهلها لتحل محلها الأخلاق الإنسانية التي لا تعدو عليها الاعتبارات العدائية. فقد اعتبر الإسلام الفساد من الجنايات الاجتماعية، وحذر منه القرآن في آيات كثيرة، فجاء فيه تشنيعاً على المفسدين: {وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ، وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ}. فهو إذا تولى وكان له سلطان حاصر الشعوب بقسوة وجبروت، وتاريخ الأمم يوضح لنا هلاك من سعوا إلى محاصرة الناس ومحاولة إذلالهم:{وَ تِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً}. {وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ}
فليس غريباً أن نرى من الأمم التي تزعم تمدنها وحضارتها وتتغنى بحقوق الإنسان، تسعى على سنن الظالمين بفرض حصار جائر يطال لقمة العيش ودواء المريض، في تناقض صارخ يكشف زيف شعاراتهم. أما من تأدب بآداب القرآن فهو ينأى بنفسه عن اتباع الهوى والإفساد في الأرض؛ لأن الله سبحانه يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.
فهل يتوقع ممن ينتسبون إلى الإسلام أن يقطعوا صلة القرابة الإنسانية والإسلامية ويجرؤون على ذلك؟! نعم قد أشار القرآن إليهم عن طريق الاستفهام والإنكار عليهم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أرحامكم، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ}.
إن ضلال العقول هو في اتباع الهوى، فالعقل والهوى متعاديان، ولذا فإنه يجب على الإنسان أن يتجرد من الهوى؛ فإذا اتبع الهوى نسي الله وضل عن سبيل الرشاد، ولهذا نهى الله عن الهوى، فقال: {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى}. ففي الحديث ثلاث مهلكات: “شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه”. فاللبيب من اجتنب طاعة هواه.
فالهوى ما دخل في شأن من شؤون الحياة إلا أفسدها، فما دخل في شؤون السياسة إلا أفسدها، ولا دخل في تصريف شؤون الأمم إلا أفسدها، ولا دخل في الرأي وقيادة التوجيه إلا أفسدها؛ فالهوى مضلة للعقل، ومفسدة للرأي، ومضيعة للحق. ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به”.
فإذا عاد المسلمون إلى القرآن فسيثوبون إلى رشدهم؛ لأن الله يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، وينهى عن التعالي والتكبر والسخرية ببعضهم: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَ لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَ مَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
وهكذا ينهى الإسلام عن كل سبب يفضي إلى التنازع والتقاطع، ويدعو إلى المحبة والوئام والدخول في السلم والسلام بين أبناء الأمة الإسلامية كافة: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}.
إِذَا العَزْمُ صَاغَ كِيَانَ السَّلَامِ ** أَذَلَّ الصِّعَابَ وَحَلَّ الظَّفَر
وَإِنْ هَبَّتِ الرُّوحُ نَحْوَ العُلَا ** تَهَاوَى الضَّبَابُ وَغَابَ الخَطَر
وَمَنْ لَمْ يُغَامِرْ بِرُوحِ اليَقِينِ ** تَوَارَى كَظِلِّ مَضَى وَانْدَثَر
إن محاصرة يمن الإيمان والحكمة لا تدل على الدهاء والحكمة، ولا على اتباع الكتاب والسنة، وكيف يلتزم بالحق من لم يلتزم طريقه ويسعى للإصلاح من لا يسلك سبيله وإنما ذلك انحدار قيمي يسعى لكسر إرادة الشعب اليمني، لأنه استعصى على التبعية، ولكن من تحلى بالصبر والحلم كان رفيع المكان، محمود السيرة. وقديماً قيل: “الحليم من لم يكن حلمه لفقد النصرة وعدم القدرة، والمنصف من لم يكن إنصافه لضعف يده وقوة خصمه”. فالحلم ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، الذي هو ثبات ورفعة؛ لأنه يشمل المعرفة والصبر والأناة والتثبت. وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للأشج حين قدم عليه وفد عبد القيس: (إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة).
لقد استطاعت قيادة اليمن بقيادة قائد المسيرة القرآنية بصبرهم وحلمهم أن يتغلبوا على جفاء من يناوئ اليمن وقتاً طويلاً، وهم يدعون إلى السلم والإخاء، ولكن هذا الصبر الاستراتيجي لن يدوم طويلاً أمام استمرار المعاناة الإنسانية؛ فصبر الناس كاد أن ينفد، ونفاده إيذان بمرحلة من الردع لا تبقي ولا تذر. فالعزيمة والمقاومة سلاح المهتدين عند الضرورة، ولسان الحال في قيادة اليمن تحكي:
رَكِبَ العَزيمةَ وَاسْتَذَلَّ هَوَاهُ .. أسد لَه فَوْقَ النُّجومِ مَدَاهُ
مَا ضَرَّهُ جَهْلُ الزَّمانِ وَحَظُّهُ .. فَالنُّورُ في نَهْجِ السَّبِيلِ هُدَاهُ
يَمْشي كَأَنَّ الأَرْضَ تَحْتَ نِعَالِهِ .. سُجُفٌ، وَمِنْ رُوحِ العُلَا سِيماهُ
لَمْ يُغْرِهِ بَرْقُ الغَبيِّ وَمَـالُـهُ .. بَلْ كَانَ كَنْزُ العَاقِلِينَ تُقَاهُ
حَكَمَ النُّفُوسَ لِأَنَّهُ في سِرِّهِ .. أسد أَقَامَ مِنَ الرَّشَادِ قُوَاهُ
إن حمل السلاح في وجه من يصر على محاصرة اليمن عند استمراره سيصبح ضرورة شرعية وإنسانية لا بد منها، وواجباً مقدساً لانتزاع الحقوق، اتباعاً لقول العزيز الحكيم: {فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ}، {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّـهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً}. {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّـهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
فالمؤمن الذي يختار غير ما اختاره الله من الأحكام يضل: {وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً}. {وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.


