المقدمة: ذاكرة لاتنسى تُحذّر
التجنيد الإلزامي في العراق لم يكن مجرد نص قانوني، بل تجربة قاسية تركت أثرًا عميقًا في حياة الأفراد والمجتمع. واليوم، مع عودة الحديث عن إحيائه، يصبح النقاش مواجهة مباشرة مع ذاكرة وطنية مثقلة بالألم، ذاكرة لا تستدعي الماضي بدافع الحنين، بل بدافع التحذير من تكراره.
أولًا: عمرٌ مُصادَر ومستقبل مُعلّق
سنوات الشباب ضاعت بين أسوار المعسكرات، حيث تعرقلت الدراسة، تعطلت فرص العمل، وتبددت الأحلام. لم يكن التجنيد خيارًا، بل قيدًا مفروضًا صادر حياة الإنسان وأوقف مساره الطبيعي.
ثانيًا: قيود تُطوّق الحياة
الخدمة العسكرية امتدت آثارها إلى تفاصيل الحياة اليومية: منع التعيين قبل إكمال الخدمة، تقييد السفر والتنقل، فرض رقابة على حرية الفرد، تحولت حياة الشباب إلى دائرة مغلقة من القيود التي عطلت إمكاناتهم.
ثالثًا: المطاردة والخوف الدائم
من لم يلتحق بالخدمة عاش مطاردة مفتوحة: ملاحقات واعتقالات ، تفتيش دائم في الشوارع ، وخوف مستمر من العقوبات أصبحت حياة الشاب محكومة بالترقب والقلق، وكأنها حياة تحت حصار دائم.
رابعًا: العقوبات القاسية
الهروب من الخدمة لم يُعامل كظرف إنساني، بل كجريمة كبرى. العقوبات بلغت حد تهديد الحياة نفسها، مما رسّخ القطيعة النفسية بين المواطن والدولة، وحوّل التجنيد إلى أداة ترهيب.
خامسًا: التمييز الطبقي
القانون فقد مبدأ العدالة: أبناء الأغنياء يُعفون بالبدل النقدي، أبناء المسؤولين يتمتعون بامتيازات، الفقراء يتحملون العبء كاملًا تحوّل القانون إلى أداة تمييز طبقي، عمّقت الفجوة الاجتماعية وأضعفت الثقة بالدولة.
سادسًا: الفقر مع الإكراه
الخدمة الإلزامية جمعت بين الإكراه والفاقة: رواتب محدودة ، ظروف معيشية قاسية ، وعائلات بلا معيل النتيجة إنهاك شامل لا يبني إنسانًا ولا يخدم وطنًا.
سابعًا: تعطيل الوطن
الخسارة لم تكن فردية فقط، بل وطنية: تعطيل الطاقات الشابة ، تراجع الإنتاج ، تأخر التنمية الوطن الذي يقيد شبابه، يقيد مستقبله.
ثامنًا: عودة الطرح… هل نعيد الألم؟
إعادة التجنيد الإلزامي تثير أسئلة جوهرية:
– هل تغيّرت الظروف؟
– هل ضُمنت العدالة؟
– هل انتهت أسباب الظلم؟
في غياب الضمانات، قد يتحول القانون إلى مصدر جديد للخوف وعبء إضافي على المجتمع، ويعيد إنتاج المعاناة بجيل جديد.
تاسعًا: البدائل الناجعة
بدلًا من إعادة القيود، يمكن بناء حلول أكثر عدلًا وفاعلية: إنشاء جيش مهني محترف قائم على التطوع، توفير فرص عمل تحفظ كرامة الشباب، الاستثمار في الصناعة والزراعة، وتطوير الخدمات الأساسية من كهرباء وصحة وتعليم الأمن الحقيقي يتحقق بقوة الدولة واقتصادها واستقرارها، لا بكثرة الأفراد المجندين.
الخاتمة:
كي لا نكرر الألم، استحضار ذاكرة التجنيد الإلزامي ضرورة وطنية، ليس بدافع الحنين بل للتحذير. إعادة هذا القانون دون معالجة جذور مشكلاته قد تعيد إنتاج المعاناة وتثقل كاهل الشباب. بين ذاكرة الألم وأمل المستقبل، يبقى الخيار واضحًا: إما أن نتعلم من الماضي، أو نعيد القيد من جديد.


