الحداثة وانتقام الهوية

الحداثة وانتقام الهوية
عنف الحداثة ليس هجوماً خارجياً بل انفجار داخلي. النظام العالمي ينتج "الحياة العارية" و"الإرهاب الأبيض". المواجهة الحقيقية بين سحق التنوع وبين هويات تصرخ تحت منطق القوة العمياء....

لطالما آمن الغرب بأسطورته الخاصة: أنه المركز الذي يشعُّ نوراً، وأن ما دونه ليس سوى هوامش تحتاج إلى التهذيب أو الترويض. لكن هذه “المركزية”، التي حللها المفكر والتر مينيولو بوصفها الوجه الاستعماري المظلم للحداثة، سقطت في فخٍّ من صنع يدها. إن العنف الذي يشهده العالم اليوم ليس “هجوماً من الخارج”، بل هو “انفجار من الداخل”؛ هو الظل الذي طاردته الحداثة طويلاً حتى ارتدَّ إليها بصورة وحش كاسر.

حين نبش عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك في مفهوم “مجتمع المخاطر”، أشار إلى أن النظام العالمي الحديث ينتج أعداءه كآثار جانبية لنجاحه التقني والسياسي. فالإرهاب الذي يُقدَّم اليوم كماركة مسجلة لثقافة بعينها، هو في الحقيقة “لقيط” سياسي وُلد في دهاليز الاستراتيجيات الكبرى. إن إيهام الشعوب بأن عدوها هو “الدين” أو “التراث” ليس سوى تكتيك لتعمية الأبصار عن “الإرهاب الأبيض” الصامت؛ ذلك الذي يمارسه النظام المصرفي العالمي، وسياسات التجويع خلف مكاتب مكيفة، والحروب التي تُخاض بالتحكم عن بُعد.

لقد عاشت أوروبا طوال القرن العشرين تحت رحمة رصاصها الداخلي؛ فمن دموية “الألوية الحمراء” في إيطاليا إلى قنابل “بادر ماينهوف” في ألمانيا، كان العنف أوروبياً بامتياز، يسارياً تارة وقومياً تارة أخرى. ومع ذلك، لم يجرؤ أحد على وصف “الثقافة الأوروبية” بأنها ثقافة موت. لكن، حين انتقلت النار إلى أطراف الثوب الغربي بفعل ردات الفعل المقهورة، استُخدمت “صناعة التشويه” لتحويل الإنسان المنهوب إلى كائن بلا ملامح، معلق في فراغ الهوية، لسهولة اقتياده كمتهم دائم.

يؤكد الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين أن النظام الحديث حوّل البشر إلى “حياة عارية” (Bare Life)؛ كائنات مجردة من الحقوق والسيادة، يمكن قتلها أو حصارها دون أن يُعتبر ذلك جريمة. هذا الإذلال المنظم هو الذي صنع “المتوحش” الذي يخشاه الغرب اليوم. فالإنسان الذي تُسرق أرضه ويُهدم تاريخه باسم “العولمة”، لا يعود يرى في قيم “الديمقراطية” سوى شعارات زائفة استخدمت لتخريب حياته.

إن المواجهة الحقيقية ليست بين “تحضر” و”بربرية”، بل بين نظام يسحق التنوع لفرض نمطه الاستهلاكي، وبين شعوب تحاول التشبث بآخر خيوط هويتها. وكما أشار فرانز فانون، فإن العنف لدى المُستعمَر ليس مجرد فعل مادي، بل هو محاولة بائسة لاستعادة إنسانية سلبها منه “المتحضر” الذي بنى متاحفه من كنوز منهوبة. فالعنف، في نهاية المطاف، ليس له دين ولا عرق، بل له “بيئة” واحدة: هي الأرض التي غابت عنها شمس العدالة وحلَّ محلها منطق القوة العمياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *