في لحظات التوتر الكبرى، حين تتشابك الحسابات وتضيق الخيارات، يبحث القادة عن دروس الماضي، حتى لو كانت محفوفة بالهزائم والخيبات. وهنا، يتجسد مشهد ساخر لكنه عميق الدلالة، حين يبدو أن ترامب يقف عند مفترق طرق، يستحضر تجربة صام حسين، لا ليستلهم النصر، بل ليتجنب الغرق في المستنقع ذاته.
لقد بدأ صدام حربه ضد إيران وهو يظن أنها نزهة عسكرية، معتمدًا على تقديرات خاطئة لقوة خصمه، ومبالغًا في تقدير قدراته الذاتية. لكن سرعان ما تحولت تلك الحرب إلى كابوس ثقيل، استنزف الدولة والجيش والاقتصاد، حتى صار وقف إطلاق النار أمنية بعيدة، لا تتحقق إلا بشروط الطرف الآخر. وهنا، سقطت هيبة القوة التي لا تكتمل إلا بقدرتها على إنهاء الحرب كما بدأتها، دون خضوع أو انكسار.
لقد أدرك صدام متأخرًا أن قرار الحرب ليس كقرار إنهائها، وأن إشعال النار أسهل بكثير من إخمادها. ومع مرور السنوات، وجد نفسه مضطرًا للقبول بما كان قد رفضه سابقًا، بل وإعادة العمل باتفاقيات كان قد ألغاها، فقط للخروج من المأزق الذي صنعه بيده. لم يكن ذلك انتصارًا، بل اعترافًا ضمنيًا بأن الكلفة فاقت كل التوقعات، وأن الاستمرار لم يعد خيارًا.
واليوم، يتكرر المشهد بصورة مختلفة، لكن بذات الجوهر. يدخل ترامب في صراع معقد، يظن أن الضغط والقوة كفيلان بفرض الشروط، لكنه يكتشف تدريجيًا أن الطرف الآخر ليس في عجلة من أمره، ولا يخضع لإيقاع التصريحات ولا لضجيج الإعلام. العالم ينتظر بيانًا، يتوقع نهاية قريبة، لكن الحقيقة أن القرار لا يصدر من جهة واحدة، بل من توازن معقد لا يمكن تجاوزه.
في هذا السياق، يبدو وكأن التاريخ يهمس في أذن الحاضر. فالحروب التي تبدأ دون حساب دقيق لنهايتها، تتحول إلى أعباء ثقيلة على من أشعلها. والخصم الذي لا ينهار سريعًا، يفرض معادلة جديدة، يكون فيها الصبر سلاحًا لا يقل فاعلية عن القوة.
ولو تخيلنا هذا الحوار الرمزي، لوجدنا صدام، بعد تجربته المريرة، لا يقدم نصيحة نابعة من حكمة بقدر ما هي خلاصة فشل طويل. أن تعطي خصمك ما يريده في البداية، قد يكون أقل كلفة من أن تُجبر على تقديمه بعد سنوات من الاستنزاف. وأن العناد في لحظة خاطئة، قد يحول الأيام إلى شهور، والشهور إلى سنوات، دون أفق واضح للنهاية.
إن الدرس الأهم الذي يتكرر، هو أن الحروب لا تُقاس ببداياتها، بل بنهاياتها. وأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال المواجهة، بل في التحكم بمسارها وخاتمتها. وما بين اندفاع البداية وتعقيد النهاية، تضيع حسابات كثيرة، ويبقى الثابت الوحيد أن من لا يقرأ التاريخ جيدًا، قد يجد نفسه يعيشه من جديد، ولكن بثمن أعلى.


