في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعقد فيه الاصطفافات، يبرز مبدأ بسيط لكنه عميق: أن يكون الوطن أولاً. هذا المبدأ لا يعني الانغلاق أو العداء للآخر، بل يعني الوقوف مع كل ما يعزز السيادة والكرامة والاستقلال، ورفض كل ما يهددها، أينما كان مصدره. ومن هذا المنطلق، يجد كثيرون أنفسهم في موقع داعم لإيران، ليس بدافع الانتماء، العقائدي فقط، بل بدافع القناعة بأن ما تدافع عنه إيران ينسجم مع هذا المبدأ.
واللافت أن رفض الحرب لا يقتصر على شعوب المنطقة، بل يمتد إلى داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث تتصاعد أصوات رافضة لأي مغامرة عسكرية جديدة، إدراكاً لكلفتها البشرية والسياسية. وكذلك الحال بين كثير من اليهود حول العالم، الذين يميزون بين السياسات العدوانية وقيم العدالة والإنسانية، ويرفضون أن تُرتكب الحروب باسمهم.
وعلى امتداد العالم، تتشكل قناعة لدى شعوب كثيرة بأن الحروب التي تُشن تحت عناوين وشعارات براقة، غالباً ما تخفي وراءها أهدافاً تتعلق بالهيمنة وإعادة رسم النفوذ، لا بحماية الأمن أو نشر الاستقرار. وهذه الشعوب، حين تضع مصلحة بلدانها أولاً، تدرك أن إشعال صراع جديد لن يجلب لها سوى المزيد من التوتر وعدم اليقين.
في المقابل، تحاول بعض المنابر الإعلامية تقديم صورة مقلوبة، تُصوّر من يقف مع مبدأ السيادة وكأنه خارج عن الإجماع، بينما الحقيقة أن هذا الموقف يعكس إرادة الاستقلال ورفض الإملاءات. فالدفاع عن حق أي دولة في أن تقرر مصيرها دون ضغوط أو تهديد، هو دفاع عن مبدأ يمكن أن تحتاجه كل دولة في لحظة ما.
إن الوقوف مع إيران، في هذا السياق، لا يُفهم كاصطفاف أعمى، بل كجزء من رؤية أوسع ترى أن احترام السيادة هو حجر الأساس في أي نظام دولي عادل. وعلى العكس، فإن دعم سياسات الضغط والعدوان يعني القبول بمنطق قد يرتد على الجميع، لأن من يفرض إرادته اليوم على غيره، قد يجد من يفرضها عليه غداً.
إن العالم لا ينقسم ببساطة إلى معسكرات خير وشر فقط، بل إلى مواقف تُقاس بمدى احترامها لحقوق الشعوب واستقلالها. ومن يختار أن يكون بلده أولاً، سيجد نفسه تلقائياً في مواجهة أي مشروع يسعى لفرض الهيمنة، ومع كل من يقف في وجه هذا المسار.
في النهاية، تبقى الحقيقة أن الشعوب التي تعي مصالحها لا تنخدع بسهولة، ولا تنجر خلف الخطابات الجاهزة، بل تبحث عن جوهر القضايا. وعندما تفعل ذلك، تكتشف أن الدفاع عن السيادة ليس موقفاً عابراً، بل ضرورة لحماية المستقبل، وأن من يتمسك بهذا المبدأ، إنما يدافع عن حقه وحق غيره في أن يكون حراً مستقلاً.


