لم تكن عملية اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي حدثًا عاديًا في تاريخ الصراع السياسي في غرب آسيا، بل مثلت لحظة مفصلية في إعادة رسم التوازنات الإقليمية، فالعملية التي جرت في 28 شباط/فبراير 2026، ضمن هجوم استهدف قيادات إيرانية في طهران، أدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من الصراع والتوقعات المتضاربة حول مستقبل إيران ونظامها السياسي.
لكن المثير للاهتمام ليس فقط الحدث العظيم الذي استشهد فيه الولي الفقيه، كذلك ما أعقبه من نتائج سياسية واجتماعية كبيرة، إذ كشفت ردود الفعل داخل إيران وخارجها عن خطأ واضح في تقديرات بعض القوى الدولية التي توقعت أن يؤدي الاغتيال إلى انهيار النظام أو اندلاع انتفاضة شعبية واسعة.
فرضية الانهيار السريع… في الأدبيات الاستراتيجية الغربية، غالبًا ما تُطرح فكرة أن الأنظمة السياسية ذات البنية الأيديولوجية أو الثورية قد تنهار سريعًا إذا فقدت رأس القيادة، هذا التصور يعتمد على فرضية أن الشخصية القيادية هي محور النظام، وأن غيابها يفتح الباب أمام الفوضى أو الصراع الداخلي.
غير أن التجربة الإيرانية أظهرت أن النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في شخصية واحدة، مهما كانت مركزيتها الرمزية أو السياسية، فالمؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية التي تشكل بنية الدولة الإيرانية، وعلى رأسها الحرس الثوري ومجلس الخبراء، تعمل ضمن منظومة متكاملة تسمح بإدارة الانتقال السياسي حتى في ظروف الأزمات الكبرى.
قراءة حول تصريح ديفيد ميلر في هذا السياق، لفت عالم الاجتماع البريطاني David Miller الانتباه إلى ما وصفه بفشل التقديرات الغربية، فقد أشار ميلر إلى أن بعض صناع القرار في الغرب كانوا يتوقعون أن يؤدي اغتيال السيد الخامنئي إلى انتفاضة شعبية ضد النظام، إلا أن ما حدث كان العكس، إذ بدا أن المجتمع الإيراني تماسك أكثر في مواجهة التهديد الخارجي.
ووفق التصريحات التي نقلتها وكالة Tasnim News ، فإن ميلر رأى أن الاغتيال لم يؤدِّ إلى تفكك النظام، بل ساهم في تعزيز الخطاب الثوري داخل إيران، مع الحديث عن مرحلة سياسية جديدة قد تقودها قيادة أكثر تشددًا في مواجهة الضغوط الخارجية.
كما اعتبر أن الرد الصاروخي الإيراني والتصعيد العسكري الذي أعقب الحدث عززا صورة الدولة لدى جزء من الرأي العام الإيراني بوصفها قوة قادرة على الدفاع عن سيادتها، وهو عامل غالبًا ما يؤدي في حالات الصراع الخارجي إلى تعزيز التماسك الداخلي بدلًا من تفكيكه.
أثر “الخطر الخارجي” في تماسك المجتمعات… من منظور علم الاجتماع السياسي، لا يُعد هذا التطور مفاجئًا تمامًا، فالتاريخ الحديث مليء بحالات أدى فيها الضغط الخارجي أو التهديد العسكري إلى تعزيز التضامن الوطني بدلًا من تفكيكه.
حين يشعر المجتمع بأن دولته تتعرض لهجوم خارجي، تتراجع غالبًا الانقسامات الداخلية مؤقتًا، ويتحول الصراع من صراع سياسي داخلي إلى صراع وجودي مع خصم خارجي، وهذه الظاهرة معروفة في الأدبيات السياسية بما يسمى “تأثير الالتفاف حول العلم” (Rally around the flag effect).
وبهذا المعنى، قد يكون اغتيال شخصية مركزية مثل السيد الخامنئي قد حقق نتيجة معاكسة لما كان متوقعًا لدى بعض المخططين، إذ تحول إلى عامل تعبئة وطنية بدل أن يكون مدخلًا لانهيار النظام.
مرحلة إقليمية جديدة… الأهم من ذلك أن تداعيات الحدث لا تتوقف عند الداخل الإيراني، بل تمتد إلى الإقليم بأكمله، فإيران تعد فاعلًا رئيسيًا في شبكة معقدة من التحالفات والحركات السياسية والعسكرية في غرب آسيا، وهو ما يجعل أي تحول في قيادتها أو استراتيجيتها مؤثرًا في معادلات المنطقة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة انهيار سريع، بل مرحلة إعادة تشكل للتوازنات، حيث تتداخل الحسابات العسكرية والسياسية والأيديولوجية في رسم مستقبل المنطقة.
اخيراً… ما تكشفه التطورات الأخيرة هو أن السياسة الدولية ليست معادلة بسيطة يمكن التنبؤ بنتائجها بسهولة، فالقرارات التي يُفترض أن تؤدي إلى إضعاف الخصوم قد تنتج أحيانًا نتائج معاكسة تمامًا.
وفي حالة إيران، يبدو أن الرهان على انهيار سريع للنظام بعد اغتيال قيادته لم يكن سوى تقدير متسرع تجاهل طبيعة الدولة الإيرانية وتركيبتها المؤسسية والاجتماعية.
وهنا تكمن المفارقة، فبدل أن يكون الاغتيال بداية النهاية، قد يتحول في الذاكرة السياسية الإيرانية إلى لحظة تأسيس لمرحلة جديدة من الصراع والتماسك الوطني.


