إنّ الهجوم المنسّق الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران صباح ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، في وقتٍ كانت فيه المفاوضات حول الملف النووي جارية، لم يكن مجرّد عملية عسكرية استباقية؛ بل مثّل انهيار إطارٍ توقّعيّ في الاقتصاد السياسي الدولي. فاغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله السيد علي خامنئي وقادة عسكريين كبار لم تقتصر تبعاته على إزالة هرمٍ قياديّ مادياً، بل استبدل منطق «إدارة التوتر» بمنطق «المخاطرة القصوى». أمّا ردّ إيران ـ المتمثّل في استهداف جميع القواعد الأميركية في ١١ دولة إقليمية والإغلاق العملي لمضيق هرمز ـ فقد نقل الأزمة من مستوى مواجهة ثنائية إلى صدمةٍ نظامية عالمية.
لم تعد المسألة الأساسية من يملك اليد العليا في ساحة القتال، بل إلى أيّ حدّ يستطيع الاقتصاد العالمي ـ المثقل بديونٍ غير مسبوقة، ونموٍّ هشّ، وتضخمٍ غير منضبط ـ تحمّل صدمةٍ متزامنة في الطاقة والمال والتجارة.
يمرّ عبر مضيق هرمز يومياً ما بين ٢٠ و٢١ مليون برميل من النفط الخام والمكثفات الغازية، أي ما يقارب ٢٠٪ من الاستهلاك النفطي العالمي. وإلى جانب ذلك، يعبر نحو ٣٠٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية هذا الممر. وإذا تعطّل خمسة ملايين برميل فقط من هذا التدفق، سيواجه السوق العالمي نقصاً يعادل إجمالي صادرات العراق أو الإمارات اليومية. أمّا الطاقة الفائضة لتحالف أوبك+، ففي أكثر التقديرات تفاؤلاً، تقلّ عن أربعة ملايين برميل يومياً، بينما لا يمكن للسحب من الاحتياطي الاستراتيجي الأميركي (نحو ٣٥٠ مليون برميل في المخزون التشغيلي الحالي) أن يسدّ الفجوة إلا لبضعة أشهر. وفي سيناريو الإغلاق الكامل، فإنّ خروج ١٥ إلى ١٨ مليون برميل من السوق سيدفع الأسعار فوراً إلى نطاق ١٥٠–٢٠٠ دولار. وكل زيادة قدرها ١٠ دولارات في سعر النفط تُنقص في المتوسط ما بين ٠٫٢ و٠٫٣ نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي؛ وعليه فإن نفطاً بسعر ٢٠٠ دولار قد يمحو بمفرده ما بين ٢ و٣ نقاط مئوية من النمو العالمي.
غير أنّ النفط ليس سوى جزء من المشهد. فسوق الغاز الطبيعي المسال أقلّ مرونة بكثير. فدولة قطر تصدّر سنوياً أكثر من ١٠٠ مليون طن من هذا الوقود وتمتلك نحو ٢٠٪ من تجارته العالمية. وتعتمد اليابان وكوريا الجنوبية والصين بدرجات عالية على واردات الغاز المسال؛ ففي بعض الحالات يأتي أكثر من ٦٠٪ من إمدادات الغاز عبر الواردات البحرية. أمّا أوروبا، فمنذ أزمة أوكرانيا رفعت حصة الغاز المسال في مزيجها الطاقي إلى أكثر من ٤٠٪. إنّ توقّف الصادرات القطرية أو تعثّرها قد يضاعف أسعار الغاز في السوق الأوروبية عدة مرات؛ وقد أظهرت تجربة عام ٢٠٢٢ كيف أدّى ارتفاع الأسعار إلى ٣٠٠ يورو لكل ميغاواط/ساعة إلى إغلاق صناعات الفولاذ والأسمدة والألمنيوم. والعودة إلى تلك المستويات قد ترفع تضخم المستهلك في الاقتصادات المتقدمة بمقدار ٣ إلى ٥ نقاط مئوية وتفرض ضغطاً إضافياً على الأسر.
وبالتوازي مع صدمة الطاقة، تتسع الصدمة المالية سريعاً. فالقيمة السوقية لبورصات السعودية والإمارات وقطر تتجاوز مجتمعة ثلاثة تريليونات دولار. وانخفاض بنسبة ١٥٪ في الأيام الأولى للأزمة قد يمحو نحو ٤٥٠ مليار دولار من قيمة الأصول. وإذا ارتفعت مؤشرات مقايضة مخاطر الائتمان (CDS) لهذه الدول بمقدار ٢٠٠ إلى ٣٠٠ نقطة أساس، فسيرتفع بشكل ملموس كلفة الاقتراض الحكومي والخاص. إنّ زيادةً قدرها نقطة مئوية واحدة فقط في تكلفة تمويل مشاريع البنية التحتية الإقليمية قد تضيف مليارات الدولارات إلى الكلفة الإجمالية لخططٍ تبلغ قيمتها مئات المليارات، مثل المدن الذكية والموانئ الجديدة ومشاريع الطاقة المتجددة. وفي الوقت نفسه، قد ترتفع أقساط التأمين على ناقلات النفط وسفن الحاويات في الخليج ثلاثة إلى خمسة أضعاف؛ وقد أظهرت تجارب الهجمات السابقة على الناقلات أنّ أقساط التأمين الحربي يمكن أن تقفز تصاعدياً خلال أيام قليلة.
ولن تكون الولايات المتحدة بمنأى عن التداعيات الاقتصادية. فالاقتصاد الأميركي دخل هذه الأزمة بدينٍ عام يتجاوز ٣٤ تريليون دولار ونسبة دين إلى ناتج محلي تفوق ١٢٠٪. وإذا بلغ سعر النفط ١٨٠ أو ٢٠٠ دولار، فقد يعود التضخم السنوي إلى مستويات ٦–٧٪. وكل ارتفاع بنسبة ١٪ في التضخم يزيد كلفة خدمة الدين الفدرالي بعشرات المليارات من الدولارات خلال أفقٍ زمني متعدد السنوات. أمّا سوق الأسهم الأميركية، التي تتجاوز قيمتها ٤٠ تريليون دولار، فإن تصحيحاً بنسبة ٢٠٪ قد يمحو نحو ثمانية تريليونات دولار من الثروة الاسمية للمستثمرين؛ وهو أثر ينعكس عبر «تأثير الثروة» في خفض الاستهلاك الأسري وإبطاء النمو. كما قد يصل مؤشر التقلب (VIX) في سيناريو حربٍ إقليمية إلى مستويات تفوق ٤٠ أو ٥٠، وهو مؤشر على خوفٍ نظامي في الأسواق.
في إيران، تبدو الصورة الاقتصادية مزدوجة. فمن جهة، قد يرفع ارتفاع أسعار النفط العالمية الإيرادات الاسمية للصادرات؛ لكن إذا انخفض حجم التصدير بسبب الهجمات أو تشديد العقوبات فسيكون الأثر الصافي سلبياً. وكان الاقتصاد الإيراني قبل الأزمة يواجه أصلاً تضخماً يتجاوز ٤٠٪ وعجزاً مالياً هيكلياً. إنّ قفزةً في سعر الصرف بنسبة ٣٠ إلى ٥٠٪ قد تدفع التضخم إلى مستويات ثلاثية الرقم، ولا سيما إذا تقلّصت إمكانية استيراد السلع الوسيطة. وإذا تجاوز العجز المالي ١٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي ومُوِّل عبر القاعدة النقدية، فستصبح دوامة التضخم مرجّحة. أمّا كلفة إعادة إعمار البنية التحتية المتضررة في سيناريو حرب واسعة فقد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، وهو رقم يشكّل عبئاً ثقيلاً على الموارد الداخلية في ظلّ محدودية الاستثمار الأجنبي.
على المستوى العالمي، يقود تلاقي هذه العوامل إلى نمطٍ يشبه الركود التضخمي في سبعينيات القرن الماضي، لكن في ظروفٍ أشدّ هشاشة. ففي ذلك الحين كانت نسبة الدين العالمي إلى الناتج المحلي أقلّ بكثير؛ أمّا اليوم فقد تجاوزت ٣٥٠٪. إنّ الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة لا يخفض النمو فحسب، بل يعرّض الدول ذات العجز المرتفع في الحساب الجاري لأزمات عملات. وقد تواجه الاقتصادات الناشئة المستوردة للطاقة، مع ضعف عملاتها وارتفاع كلفة الواردات، موجةً من عدم الاستقرار المالي. وإذا تراجع النمو العالمي بنسبة ٣ إلى ٥٪، فسيواجه مئات الملايين في البلدان منخفضة الدخل ضغوطاً معيشية حادّة.
ما يجعل هذه الأزمة غير مسبوقة هو تزامن الصدمات: تعطّل إمدادات الطاقة، انهيار الأسواق المالية، ارتفاع تكاليف النقل البحري والجوي، وتصاعد عدم اليقين الجيوسياسي. فقد ترتفع كلفة شحن الحاويات بين آسيا وأوروبا، في حال تغيير مسارات السفن أو زيادة التأمين، بنسبة تصل إلى ٢٠٠ أو ٣٠٠٪، وهو ارتفاع ينعكس مباشرة على أسعار السلع الاستهلاكية ويبطئ سلاسل الإمداد العالمية. وفي الوقت ذاته تتجه رؤوس الأموال نحو الأصول الآمنة مثل الذهب وسندات الخزانة، وقد تبلغ أسعار الذهب مستويات قياسية تاريخية جديدة.
أيّ نظام يقف العالم على أعتابه؟
يمكن تصوّر ثلاثة سيناريوهات. الأول: احتواء سريع للأزمة عبر وقف إطلاق النار وإعادة فتح تدريجي لمضيق هرمز؛ وفي هذه الحالة قد تستقر أسعار النفط بين ١٢٠ و١٤٠ دولاراً ويظلّ الركود العالمي محدوداً. الثاني: حرب إقليمية تستمر أسابيع، ترفع أسعار النفط إلى ١٨٠–٢٥٠ دولاراً وتخفض النمو العالمي بأكثر من ٤٪. الثالث: توسّع الصراع إلى نطاق أوسع يفضي إلى تعطّلٍ مستدام في التجارة العالمية وانكماشٍ يتراوح بين ٥ و٧٪ في الناتج العالمي.
لقد أظهرت أزمة ٢٨ فبراير مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على استقرار عنقٍ جغرافي ضيّق. فأمن الطاقة والاستقرار المالي والنمو الاقتصادي جميعها متشابكة عند نقطةٍ ضيّقة من خريطة العالم. وإذا لم يتحقق احتواء سياسي سريع وموثوق، فقد يدخل العالم مرحلة تصبح فيها الاضطرابات الجيوسياسية لا استثناءً بل القاعدة الجديدة للاقتصاد العالمي؛ مرحلة تتحول فيها أسعار الطاقة إلى أداة حاسمة تحدد النمو والتضخم بل وحتى الاستقرار السياسي للدول.


