حركات التجديد في الشعر بين التبعية والابتداع (قراءة تحليلية تاريخية)

حركات التجديد في الشعر بين التبعية والابتداع (قراءة تحليلية تاريخية)
يتناول البحث حركات التجديد في الشعر العربي تاريخياً بين الامتداد والتجاوز، مبرزاً دور الذائقة والنقد والتفاعل الحضاري، ومؤكداً أن التجديد ظاهرة إنسانية مستمرة لا تُختزل في التبعية، ولا تنفصل عن التحول الثقافي العام....

من طبيعة العقل الإنساني أن يضيق بالثبات، وأن يميل، بطبعه، إلى البحث عن التغيير والتجديد في أنماط الحياة. فالإنسان لا يأنس الركون، ولا يستطيب التحجّر في زاوية واحدة، بل يظلّ في سعي دائم إلى توسيع دائرته، والخروج من حدوده الأولى، سواء أكان هذا السعي فعليّاً أم ذهنيّاً أم نفسيّاً. ومن هنا ظلّ سقف الطموح الإنساني مفتوحًا على الارتقاء، غير قابل للاستقرار عند حدّ بعينه، وهو ما جعل الحياة في حالة تطور دائم.

وطبيعي أن ينعكس أي تطور واضح في حياة مجتمع ما على غيره من المجتمعات، بفعل الاحتكاك والتفاعل، سلباً كان أم إيجاباً، وسواء اتخذ هذا الأثر طابع المنافسة أو التقليد، فإنه يبقى أثراً فاعلاً، له قيمته، كما له تبعاته الإيجابية والسلبية.

  • التجديد في الأدب وجدلية القبول والرفض

ولأن الأدب جزء حيّ من نسيج الحياة الإنسانية، بل هو من أعمق تجليات التفكير الإنساني، فلا يمكن أن يكون بمنأى عن هذا السعي الدؤوب. ومن ثمّ فإن التحولات التي تصيب العملية الإبداعية في الأدب ليست طارئة ولا معزولة، بل هي استجابة طبيعية لحاجات التغيير والتجديد. وسواء تجلّى هذا التجديد في مسار طولي يقوم على التبعية والامتداد، أم في مسار عرضي يقوم على الإزاحة والتجاوز والتنافس، فإنه يظل هاجسًا ملحًّا في الخطاب الأدبي.

ومن الطبيعي، كذلك، أن يثير هذا التغيير جدلاً بين مؤيد ومعارض، شأنه شأن أي تحوّل في مجالات الحياة المختلفة. غير أن هذه المعارضة لا يمكن أن تكون كلية، إذ لا يستقيم أن يرفض العقل الإنساني مبدأ التطور في ذاته، وإنما ينصرف الخلاف غالباً إلى الوسائل، أو المناهج، أو الأساليب، وربما إلى بعض النتائج أو التأثيرات الجانبية المرافقة للتغيير. وهي تأثيرات لا مفرّ منها، إذ لا يوجد تحول خالص الإيجابية.

ولعلّ تشبيه عملية التجديد بالعلاج الطبي يقرّب الصورة؛ فكل علاج، مهما بلغت دقته، يخلّف آثاراً جانبية، أو يفتح ثغرات مؤقتة تسمح بتسرّب عناصر ضارّة. ومن هنا لا تخلو أي حركة تجديد أدبي من سلبيات، ينبغي تقبّل وجودها أولاً، ثم العمل على تحجيمها ومعالجتها، لا تركها لتفرض منطقها بوصفه بديلاً دائماً.

وهنا تتجلى وظيفة النقد، بوصفه الوعي المصاحب للعملية الإبداعية، والطبيب الذي يشخّص العلل ويضع حدوداً لتفاقمها. غير أن سؤالاً ملحّاً يفرض نفسه: هل أدّى النقد هذا الدور بالقدر الذي يوازي حجم التحولات؟ أم أنه اكتفى بالاتكاء على ذائقة المتلقي، تلك المناعة الطبيعية التي لا تلبث أن تضعف تحت وطأة التعرّض المستمر للهجمات؟

  • بدايات التجديد في الشعر العربي القديم

لقد عرف الأدب، عبر العصور، مسارات متعددة من التطور، شكليّاً ونوعيّاً، طوليّاً وعرضيّاً. وسنحاول هنا الوقوف عند مسيرة الشعر العربي، وما صاحبها من تحولات، على أن يستدعي ذلك، بالضرورة، التوقف عند تطور الخطاب النقدي الذي ظلّ ملازمًا له.

ودون الخوض في إرهاصات البدايات البعيدة، يمكن الوقوف عند أواخر العصر الجاهلي، حيث يُعدّ امرؤ القيس فاتحًا لأولى التحولات اللافتة. فقد أشار ابن سلام الجمحي إلى أنه “سبق العرب إلى أشياء ابتدعها، استحسنها العرب، واتبعته فيها الشعراء”.[1] وقال ابن سلام: “كانَ أوّلَ مَنْ قَصَّدَ القَصَائدَ وذَكَرَ الوَقائعَ المُهَلْهِلُ بنُ ربيعةَ التَّغْلَبِيُّ”[2].

وقد أشار لبيد إلى ذلك بقوله:

وَالشَّاعِرُونَ النَّاطِقُونَ أَرَاهُمُ

سَلَكُوا طَرِيقَ مُرَقِّشٍ وَمُهَلْهَلِ

ويعكس هذا التحول الشكلي والمضموني استجابة الذائقة العامة، التي يمكن عدّها أول ناقد جمعي، إذ رسّخت هذا التطور، ودعت إلى محاكاته، ثم تجاوزه لاحقاً.

ومع بروز أسواق الشعر، ولا سيما سوق عكاظ، بدأت تتشكّل ملامح وعي نقدي أكثر تمايزاً، يعتمد المفاضلة والتمييز، وإن ظلّ في كثير من جوانبه انطباعيّاً.

وبقي التطور في الشعر طوال تلك الفترة، وما تلاها حتى بداية العصر العباسي، تطوراً طوليّاً، أي علاقة (تبعية وامتداد)، وليس تطوراً عرضيّاً، علاقة (إزاحة وتغيير وتنافس)، وإن بدا فيه شيء من الخروج عن ذلك النمط المتوارث من خلال التخلص من تبعية الوقوف على الأطلال، كما نلاحظ في الكثير من نقائض جرير والفرزدق، وغزليات عمر بن أبي ربيعة.

أما النقد فقد استمر في إضافة أدوات أخرى أكثر تطوراً إلى العملية النقدية، ولعل ذلك يبرز بوضوح في الفصل والموازنة بين النقائض، وإن كان ذلك الفصل أو الموازنة انطباعيّاً في غالبه.

وفي العصر العباسي بدأت حركة أخرى أكثر تطوراً، أبرزتها وأضاءت الكثير من جوانبها عملية التدوين، وظهور المؤلفات التي تُعنى بتتبع مسيرة الشعر واللغة والنقد. فكان لظهور أغراض جديدة، وأساليب حاولت كسر النمطية التي توارثتها القصيدة، أثر واضح في دفع عجلة التطور.

كما شهدت عملية النقد تطوراً هائلاً من خلال ظهور المؤلفات النقدية التي رسمت أسساً ومناهج علمية للنقد، فظهر نقاد متخصصون تتبعوا قصائد الشعراء بالتحليل والتمحيص، كقدامة بن جعفر، والآمدي، وابن طباطبا، وغيرهم، ووضعوا معايير خاصة يُحاكمون من خلالها النص الشعري. ويبدو أن ظهور المدارس الكلامية، وترجمات الفلسفة اليونانية، قد تركت أثرها في هذا التطور الملحوظ.

  • التحولات العرضية وكسر البنية الكلاسيكية

ولعل أبرز تطور عرضي في الشعر هو ما أنتجته الحضارة الأندلسية من خلال ظهور الموشحات، التي هي انقلاب كبير ليس على شكلية القصيدة العربية فحسب، وإنّما حتى على القالب اللغوي فيها أيضاً، من خلال استعمال الكلمات العامية “وقد تكون الخرجة عجمية اللفظ، بشرط أن يكون لفظها أيضاً في العجمي سفسافاً نفطياً”[3].

كما ظهر في المشرق أيضاً تطور في شكل القصيدة، فظهرت أوزان جديدة، وتنوّعت القافية، كما في فن الدوبيت، وهو مأخوذ عن فن فارسي، وليس ابتداعاً. ولعل أكثر المحاولات جدية في ذلك الزمن هو ما عُرف بـ«البند»، ولعل أقدم نص عُثر عليه بهذا الشكل يعود إلى القرن الحادي عشر، كما أشار إلى ذلك الباحث عبد الكريم الدجيلي في كتابه البند في الأدب، وذكرته نازك الملائكة في كتابها قضايا الشعر المعاصر.

بيد أن مثل تلك المحاولات، وإن بدت غير ذات تأثير كبير، فإنها تبقى محاولات في النزوع نحو التغيير والخروج عن الرتابة. إن مثل هذه المحاولات، وغيرها، سواء كانت ذات قيمة إثرائية أم قيمة شكلية، لا تُعدم الفائدة، والمشكلة في عدم سعة تأثيرها أنها واجهت نقداً متزمتاً، ولم تجد من يمكنها من مدّ جذورها في عمق الأرض، ولعل ذلك ناتج عن ضعف تلك المحاولات في جانبها الجمالي.

ورغم ذلك فإنني أحسب أن تلك المحاولات كان لها أثر فاعل، سواء كان ظاهراً أم خفيّاً، ساعد في ظهور حركات التجديد في العصر الحديث، وإن بدا المؤثر الرئيسي فيها هو التطور المتسارع في الحضارة الغربية على كافة الأصعدة، ومنها الصعيد الأدبي. ومن المؤكد أن التلاقح الفكري، وتأثيرات الانبهار التي ولّدها ذلك التطور، ومحاولة اللحاق بعجلته المتسارعة، ساهمت، وما زالت تساهم، في كل نزعات التجديد المتواصلة.

ولذا فإنني أرى من غير الممكن أن نضع حدّاً فاصلاً لبروز تلك المحاولات والنزعات التي أثمر عنها ظهور أشكال من الكتابة الشعرية، والرؤى النقدية التي بدا تأثير الحداثة الغربية فيها واضحاً ومهيمناً. ولكننا في الوقت نفسه لا يمكن أن نغمط حق ريادة التجديد الواعي، ونقصد بذلك تلك التحولات التي رافقها بعد تنظيري، كما أنه ليس من العدل أن نعزو كل فعل تجديدي إلى التبعية التقليدية، وإن كانت ملامح تلك التبعية واضحة ولم ينكرها أحد.

ولو عدنا لكلمة ابن سلام في امرئ القيس: “أشياء ابتدعها، استحسنها العرب”، ولو لم يكن هناك استحسان لما ابتدعَه رواد التجديد لما اتبعهم أحد عليه. وإذا كان ثمة رفض لمثل هذه المحاولات، فإن ذلك أمر طبيعي، فلكل حركة تجديد مؤيدون ومناهضون، وإذا جاز لنا أن نحكم على أحد الطرفين بالسلبية في نظرته لحركة التجديد في جوانب الحياة المختلفة، فإنه من غير الصحيح أن نحكم بذلك في الجانب الأدبي، لأن ذلك يدخل في أحكام الذائقة.

  • التجديد الحديث والتأثير الغربي

كان لتسارع الحضارة الغربية أثر بالغ في تشكيل الوعي التجديدي الحديث، غير أن ربط هذا التجديد بالاستعمار وحده تصور قاصر. فالتجديد هاجس إنساني عام، يتغذى من التفاعل والتلاقح، لا من التبعية المطلقة.

ومع ظهور المدارس والنظريات الأدبية الحديثة التي وصلت إلينا عبر الترجمات، ظهرت عدة محاولات للتجديد، وكان هذا واضح الأثر على روح القصيدة دون شكلها. ولا أحسب أن كسر نمطية القافية، الذي تركز الاهتمام به في هذه الفترة، مرحلة مهمة في التجديد، فقد لمسنا بوادره في الموشحات وغيرها، إلا أن الجديد هو التركيز الواضح عليه.

وإذا جاز لنا أن نضع نقطة شروع في التطور الحديث للقصيدة بفعل جامح استطاع أن يكسر حاجز الذائقة القارّة، فلا بد أن نضع له نقطة شروع ذات مواصفات واضحة ومؤثرة، وأعتقد أن تلك النقطة تبدأ من أول بيان أطلقه رواد الشعر الحر (نازك والسياب).

ولا يعني ذلك نفي وجود محاولات سبقت محاولتهما، ففي ذلك إجحاف بحق الآخرين الذين دلت آثارهم على مدى تطلعهم للتغيير، كعلي أحمد باكثير، وعرار شاعر الأردن، والزهاوي في فكرة الشعر المرسل، رغم أنها بقيت في حدودها الضيقة.

كما يمكننا أن نعتبر ما قدمته مجلة شعر من خلال نتاج رواد قصيدة النثر (أدونيس، وخليل حاوي، ونذير العظمة) نقلة كبيرة جعلت القصيدة ترتكز على جماليات روح الشعر دون جماليات القافية والتفعيلة، وقد ساهم النقاد الذين رافقوهم، كأنسي الحاج، وخالدة سعيد، وأسعد رزق، في تجذير هذه المحاولة.

وأزعم أن قصيدة النثر شكّلت انعطافة كبيرة في زعزعة رواسخ الذائقة العربية، وما زالت تشغل حيّزاً واسعاً من الجدل والتنظير والإنتاج، ولعل التطورات التكنولوجية المتصاعدة شكّلت حافزاً مهماً في الإنتاج والتلقي.

ويكن أن نشير أيضاً إلى واحدة من التجارب التجديدية التي ظهرت في سبعينيات القرن المنصرم، والتي أطلق عليها اصطلاحا “النص المفتوح”، بوصفه فعلاً تنظيريّاً يسعى إلى توسيع أفق الكتابة، وإن بقي تأثيره محدوداً سواء كان هذا المصطلح استعارة أو فهماً خاطئاً لمصطلح (النص المفتوح) لأمبرتو إيكو.

أما المحاولات المتفرقة في تحديث القصيدة العمودية على الصعيد اللغوي أو الصوري أو المجازي، فرغم جديتها وجمالية ما قدمته، فإنها لا يمكن أن تحدّ من تأثير الثورة الحديثة للقصيدة، مع بقاء تأثير القصيدة العمودية وحضورها الواسع، إذ لا يمكن للذائقة العربية أن تتخلى عن سحر موسيقاها الخلابة.

وختاماً، فإن حركة التجديد في الإبداع الأدبي ستظل مفتوحة على التحول، ما دامت الحياة نفسها في حركة دائبة، لا تعرف التوقف، ولا تركن إلى صيغة أخيرة.

[1] ابن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء، شرح محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، د. ت، ج1، (ص:55)

[2] نفس المصدر: ص: 39

[3] د. مصطفى عوض الكريم، فن التوشيح، دار الثقافة، بيروت، 1959م، ص: 12

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *