مجلس السلام العالمي: مشروع ترامب لإعادة تشكيل النظام الدولي

مجلس السلام العالمي مشروع ترامب لإعادة تشكيل النظام الدولي
يفكك النص «مجلس السلام العالمي» بوصفه محاولة لإعادة تشكيل إدارة النزاعات خارج إطار الأمم المتحدة، قائمًا على المال والنفوذ والقرار الرئاسي، ومحذرًا من تحويل الشرعية الدولية إلى منطق صفقات وهيمنة تُفرغ النظام الدولي من مضمونه....

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تشكيل (مجلس السلام العالمي) لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة مجرد مبادرة إنسانية أو سياسية ظرفية، بل يمثل في جوهره محاولة لإعادة صياغة آليات إدارة النزاعات الدولية خارج إطار منظومة الأمم المتحدة التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية.

فالمجلس حسب ما قاله ترامب إن المجلس سيكون (أعظم مجلس في التاريخ) ووفقاً لما رشح من وثائق وتسريبات صحفية، لا يقتصر على غزة، بل يطرح نفسه كمنصة دولية بديلة لإدارة النزاعات في مناطق أخرى من العالم، ويقود العالم نحو مرحلة جديدة. لكن من يقرأ مسودة الميثاق، ومن يتتبع شروط العضوية، ومن يفهم فلسفة الرجل، يدرك أن ما يُبنى هنا ليس مؤسسة سلام، بل نظام إدارة عالمي جديد، قائم على المال والنفوذ، لا على القانون والشرعية.

هذا التحول يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل نحن أمام نواة نظام عالمي جديد يقوده ترامب بمنطق السوق السياسي والقوة الصلبة، أم مجرد أداة أميركية ظرفية لفرض وصاية جديدة على غزة؟

*أولاً: ماهية مجلس السلام العالمي وآلية عمله*

بحسب ما نشرته وسائل إعلام أميركية مثل بلومبرغ ونيويورك تايمز، فإن مجلس السلام يتميز بالخصائص التالية:

  1. العضوية المشروطة: يخضع المجلس الى شروط عضوية مالية وسياسية صارمة، وبمرجعية قائمة على شرعية القوة لا شرعية القانون الدولي وقبول العضوية تتم بدعوة مباشرة من الرئيس الأميركي ترامب. ويدفع العضو المساهم مبلغ قدره مليار دولار، ومدة العضوية ثلاث سنوات قابلة للتجديد بقرار رئاسي.
  2. التركيبة الأولية لأعضاء المجلس: الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، إيطاليا، مصر، قطر، الأردن، الإمارات، تركيا، السعودية، إضافة إلى دول مرشحة مثل باكستان.
  3. آلية اتخاذ القرار: لكل دولة صوت واحد، لكن القرار النهائي يخضع لموافقة الرئيس الأميركي.
  4. الهدف المعلن: إدارة غزة بعد الحرب، وإعادة الإعمار، وضمان الاستقرار.
  5. الهدف الضمني: إنشاء إطار دولي جديد لإدارة النزاعات بعيداً عن الأمم المتحدة.

هنا لا نتحدث عن مؤسسة متعددة الأطراف بالمعنى التقليدي، بل عن (تحالف انتقائي) تقوده واشنطن. ما يقدمه ترامب ليس مجرد مجلس، بل رؤية للعالم، عالم بلا قيم مشتركة، بلا قانون دولي فعّال، بلا مؤسسات ضابطة. عالم تُدار فيه الأزمات كما تُدار الشركات: أرباح، وخسائر، وصفقات، ونفوذ. في هذا العالم، لا يُسأل من هو الضحية؟ بل يُسأل من يملك القوة؟

*ثانياً: لماذا تجاوز ترامب الأمم المتحدة؟*

ترامب لم يُخفِ يوماً عداءه للأمم المتحدة، واعتبرها، بطيئة وغير فعالة ومشلولة، وبلا تأثير، وبلا قدرة ردع، وبلا هيبة سياسية.  بسبب الفيتو وعاجزة عن إنهاء الحروب. وفي الواقع، فإن مجلس الأمن فشل فعلاً في وقف الحرب في غزة وحماية المدنيين ومحاسبة إسرائيل وتنفيذ قراراته.

والسبب ليس تقنياً، بل سياسياً. الولايات المتحدة استخدمت الفيتو عشرات المرات لحماية إسرائيل، كما استخدمت روسيا والصين الفيتو في ملفات أخرى مثل سوريا وأوكرانيا. لكن بدلاً من إصلاح الأمم المتحدة، اختار ترامب القفز فوقها، بمجلس تقوده أمريكا الجديدة بزعامة ترامب. ربما ستظهر إلى جانبها مجالس وتحالفات دولية جديدة، تتدخل بالقوة، وتفرض الوقائع، وتتجاوز المؤسسات. العالم لا يشهد انهيار النظام الدولي التقليدي، بل يشهد تفريغه من مضمونه.

والفرق الجوهري بين الأمم المتحدة ومجلس ترامب يكمن في مرجعية الشرعية: مجلس ترامب يقوم على القوة والنفوذ والانتقائية السياسية والتحالف النخبوي والقرار الرئاسي، بينما الأمم المتحدة تقوم على القانون الدولي والسيادة المتساوية والتمثيل العالمي والاجماع المؤسساتي الدولي.

ما يريده ترامب هو بهذا المجلس: أن يطبق منطق السوق الرأسمالي على السياسة الدولية، من يملك المال والنفوذ، يشارك في القرار. ومن لا يملك يُستبعد. وهذا يعيدنا إلى منطق القرن التاسع عشر، التحالفات الإمبريالية، ومناطق النفوذ، والوصاية الدولية.

والسؤال المهم: هل يمكن أن يكون هذا المجلس بديلاً عن الأمم المتحدة؟ على المدى القريب، لا، لأن الأمم المتحدة تتمتع بشرعية دولية قانونية ولها عضوية شبه شاملة، وتمتلك بنية مؤسساتية ضخمة. لكن على المدى المتوسط، نعم جزئياً، وذلك من خلال تحالفات موازية، وآليات تدخل جديدة، وتجاوز مجلس الأمن، وفرض وقائع ميدانية بالقوة. بعبارة أدق، ترامب لا يهدم الأمم المتحدة، بل يفرغها من محتواها ويبرر موتها.

*ثالثاً: مواقف القوى الكبرى*

الصين وروسيا، لن تنضما بسهولة إلى مشروع يقوده ترامب، لكنها أيضاً لن تصطدم به مباشرة. ستنظران للمجلس باعتباره أداة أميركية للهيمنة، وتهديداً لتوازن القوى ومحاولة لإقصائهما. وقد يتجهان إلى، تعزيز مجموعة البريكس، وشنغهاي، وبناء تحالفات مضادة، ودعم دور الأمم المتحدة شكلياً.

أما الدول الإقليمية، ستتبنى سلوكاً انتهازياً، وذلك من خلال: المشاركة لضمان النفوذ، دون التخلي عن الأمم المتحدة، ما يعني اللعب على الحبلين. عضوية في مجلس ترامب لضمان النفوذ، وحضور في الأمم المتحدة للحفاظ على الشرعية. وهنا تتضح أن السياسة في النهاية ليست أخلاقاً… بل مصالح.

يبدو أن العالم دخل في زمن التوحش السياسي، لأن ما نراه اليوم ليس مجرد مشروع سياسي، بل تحول فلسفي في إدارة النظام الدولي، من الأخلاق إلى القوة، ومن القانون إلى المصالح، ومن المؤسسات إلى الزعامة الفردية، ومن التعددية إلى الزعامة الأحادية. بهذا السلوك يريد ترامب أن يعيد إحياء الواقعية السياسية المتوحشة. يحول العالم الى ساحة صراع، والمنتصر هو الأقوى، وليس الأكثر عدلاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *