تعكس القرارات الحكومية الأخيرة، ولا سيما تلك التي تضمنت إيقاف العمل بقرارات اقتصادية وتنظيمية سبق الشروع بتنفيذها، نمطًا متكررًا من الارتباك في إدارة السياسة المالية والاقتصادية. فبدل أن تقوم هذه القرارات على دراسات أثر حقيقية ونماذج كلفة–منفعة واضحة، جاءت لاحقًا مقرونة بإجراءات تعليق وتأجيل وإعادة نظر، وهو ما لا يمكن تفسيره علميًا إلا بوصفه أخفاقاً في مرحلة الإعداد والتخطيط لا “مراجعة تصحيحية”.
إن الحكومة التي تعيد النظر بقراراتها بعد نفاذها لا تعترف ضمنيًا بخلل فني فحسب، بل تكشف عن غياب المنهج العلمي في صناعة القرار الاقتصادي.
كلفة القرار الموقوف قبل أن يحقق أثره
إصدار القرار الاقتصادي لا يتم في فراغ إداري أو بلا كلفة. فكل قرار مركزي يمر بسلسلة إجراءات تشمل إعداد الصياغة، تشكيل اللجان، عقد الاجتماعات، الأعمام، التدريب، وبدء التطبيق. وعند إيقاف القرار أو تعليقه بعد نفاذه، تتحول جميع هذه النفقات إلى كلف غارقة لا يمكن استردادها.
وبتقدير محافظ، فإن الكلفة الإدارية المباشرة لإصدار قرار اقتصادي مركزي ثم إيقافه تتراوح بين 650 إلى 850 مليون دينار عراقي، ومع تكرار التعديل والتأجيل وتشكيل لجان بديلة، ترتفع الكلفة التراكمية للقرار الواحد إلى حدود 1.5 – 2 مليار دينار دون تحقيق أي مردود اقتصادي فعلي، وهو هدر صريح للمال العام لا يظهر في بنود الموازنة لكنه حاضر في واقع الإنفاق.
تعليق الإجراءات التنظيمية وخسارة الإيرادات غير النفطية
تشكل الإيرادات غير النفطية أحد الأعمدة التي تعلن الحكومة اعتمادها لتقليل الاعتماد على النفط، إذ تتراوح قيمتها السنوية بين 12 و15 تريليون دينار. غير أن تعليق أو إيقاف إجراءات تنظيمية محورية – مثل إجراءات الجودة والامتثال والرقابة – يؤدي عمليًا إلى تراجع الامتثال الطوعي للمؤسسات والأسواق.
ويُقدَّر أن يؤدي هذا التراجع إلى انخفاض الامتثال بنسبة لا تقل عن 3 إلى 5 بالمئة، وهو ما يعني خسارة سنوية مباشرة تتراوح بين 400 إلى 650 مليار دينار من الإيرادات غير النفطية، نتيجة ضعف التحصيل، توسع النشاط غير النظامي، وتراجع الغرامات والرسوم المرتبطة بالتنظيم.
وبذلك، فإن قرارًا “مؤقتًا” بالتعليق قد يُحدث أثرًا ماليًا دائمًا يصعب تداركه خلال السنة المالية ذاتها.
أثر التخبط التنظيمي على السوق والمواطن
لا تقف كلفة هذه القرارات عند حدود الخزينة العامة، بل تنتقل مباشرة إلى السوق والمستهلك. فغياب الاستقرار التنظيمي يرفع كلفة المخاطر على التاجر النظامي، ويفتح الباب أمام سلع أقل جودة، ويضعف المنافسة العادلة، وهي كلف تُحمَّل في النهاية على المواطن.
وتشير التقديرات إلى أن هذا الاضطراب يؤدي إلى زيادة سعرية وسطية تتراوح بين 2 إلى 4 بالمئة على سلة إنفاق استهلاكي سنوية تُقدّر بنحو 60 تريليون دينار، ما يعني أن المواطن العراقي يتحمل عبئًا إضافيًا سنويًا يتراوح بين 1.2 إلى 2.4 تريليون دينار، دون أي تحسن مقابل في الجودة أو الخدمة.
وهنا تتحول السياسة الاقتصادية من أداة حماية إلى عامل ضغط مباشر على القدرة الشرائية.
إيقاف القرارات الوظيفية وكلفة التسويات المؤجلة
إيقاف أو تعديل القرارات المتعلقة بالاحتساب الوظيفي، الشهادات، أو التعيين بعد بدء نفاذها، يخلق التزامات مالية مؤجلة لا تظهر فورًا في الحسابات الختامية، لكنها تنفجر لاحقًا على شكل تسويات بأثر رجعي أو دعاوى قضائية.
وبتقدير أولي، فإن تسوية واحدة لموظف واحد قد تتراوح بين 5 إلى 10 ملايين دينار، وإذا شملت هذه التسويات عشرة آلاف موظف فقط، فإن الكلفة المحتملة قد تصل إلى 50 – 100 مليار دينار، وهي أعباء مستقبلية غير مخططة تُرحّل من حكومة إلى أخرى دون معالجة جذرية.
اقتصاد اللجان بدل اقتصاد السياسات
أحد أبرز مظاهر الإخفاق يتمثل في اللجوء المتكرر إلى تشكيل لجان وفرق عمل بعد صدور القرار بدلًا من قبل صدوره. فكل لجنة جديدة تعني وقتًا ضائعًا، ومخصصات تشغيل، وتعطيلًا لمفاصل العمل.
وتُقدَّر كلفة لجنة واحدة تعمل لمدة شهرين بما لا يقل عن 80 إلى 120 مليون دينار، ومع تعدد اللجان وتداخل صلاحياتها، يمكن أن تصل الكلفة الإضافية إلى نحو 300 – 500 مليون دينار دون ضمان تنفيذ التوصيات أو تحويلها إلى سياسات نافذة.
الحصيلة الكلية للتخبط في القرار
عند جمع الآثار المباشرة وغير المباشرة، يظهر أن كلفة قرارات الإيقاف والتأجيل لا تقل سنويًا عن 1.7 تريليون دينار، وقد ترتفع إلى أكثر من 3 تريليونات دينار إذا ما أُخذت بنظر الاعتبار آثار السوق والأسعار والتسويات المؤجلة، وهو رقم يعادل تمويل آلاف الوحدات السكنية أو مشاريع خدمية استراتيجية كان المواطن بأمسّ الحاجة إليها.
إن تكرار إيقاف القرارات وتأجيلها لا يمكن وصفه بالمرونة أو الحوكمة الرشيدة، بل هو إدارة بالتجربة لا بالعلم. فالدولة التي تصدر قرارًا ثم توقفه بعد نفاذه تدفع ثمنه ثلاث مرات: مرة عند الصياغة، ومرة عند التنفيذ، ومرة عند الفشل.
وما لم تُبْنَ السياسات الاقتصادية على دراسات أثر حقيقية، وتحليل رقمي شفاف، واستشارات مختصة من ذوي المعرفة العملية، فإن النتيجة ستكون مزيدًا من الهدر، وتراجع الثقة، واتساع الفجوة بين الدولة.


