ثلاث سنوات من إنكار الأزمة: الدولار يفضح التخبط الحكومي والدينار يدفع الثمن

ثلاث سنوات من إنكار الأزمة: الدولار يفضح التخبط الحكومي والدينار يدفع الثمن
يسلط النص الضوء على واقع الدينار العراقي ويناقش اعادة تدوير التصريحات بتواريخ مختلفة لكن النتيجة واحدةحيث يصعد الدولار و ينخفض الدينار و يتكرر التشخيص الخاطئ دون ضبط صحيح ....

من “تذبذب وقتي” إلى أزمة مزمنةثلاث سنوات من التبرير… وصفر معالجة حقيقية لسوق الصرف

منذ أكثر من ثلاث سنوات، لا يكاد يمرّ شهر دون أن يخرج علينا مسؤول مالي أو مستشار حكومي بتصريح جاهز: “تذبذب سعر الصرف وقتي ولا يعكس خللاً هيكلياً”. تصريح يُعاد تدويره بتواريخ مختلفة، وأسماء متبدّلة، لكن النتيجة واحدة: الدولار يصعد، والدينار يترنّح، والمواطن يدفع الثمن. آخر هذه التصريحات ما أدلى به مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية، في كانون الثاني 2026، مؤكداً أن ما يجري “انفصال مؤقت بين سوق الصرف ومستوى الدخول والاستهلاك”. وهنا يبرز السؤال العلمي البسيط: إن لم يكن هذا خللاً هيكلياً… فماذا يُسمّى إذن؟

تكرار التشخيص الخاطئ لا يحوّله إلى حقيقة

منذ 2023 وحتى 2026، تكررت ثلاث مقولات رسمية: التذبذب مؤقت، السوق سيتوازن تلقائياً، والإجراءات الأخيرة كافية للضبط. لكن الواقع الإحصائي يقول غير ذلك، فسعر الصرف الموازي خرج عن السعر الرسمي بفجوة تراوحت بين 7% إلى أكثر من 20% في فترات متعددة، وهذه الفجوة لم تكن طارئة أو أسبوعية، بل مزمنة ومستمرة، وكل “حزمة ضبط” أعقبتها موجة صعود جديدة، ما يعني أن الإجراءات تعالج العرض الإعلامي للأزمة لا جذورها. فالتذبذب الوقتي، في الأدبيات الاقتصادية، يكون قصير الأجل، محدود الأثر، ومترافق مع أدوات تصحيح فعالة، أما ما يجري في العراق فهو اختلال متراكم في بنية إدارة النقد والتجارة والمالية العامة.

مغالطة “الانفصال عن معيشة المواطن”

القول إن أثر ارتفاع الدولار “انتقل إلى قطاع الأصول” وليس إلى معيشة المواطن، هو أخطر ما في الخطاب الرسمي، لأنه يتجاهل أن أكثر من 70% من سلة الاستهلاك العراقية مستوردة أو مرتبطة بالدولار، ويتغافل عن أن أسعار الغذاء، الإيجارات، النقل، والدواء ارتفعت تزامناً مع كل موجة صعود للدولار، ويفصل نظرياً بين “الاستهلاك” و”سوق الصرف”، بينما الواقع العراقي يربطهما مباشرة وبلا وسيط. الانفصال الحقيقي ليس بين الدولار والاستهلاك، بل بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.

قرارات ارتجالية… بلا تسلسل أو أثر تراكمي

خلال ثلاث سنوات، شهدنا تغييرات متكررة في آليات التحويل الخارجي، وتشديداً ثم تراجعاً ثم إعادة تشديد، وقرارات ضريبية وكمركية بلا جاهزية تنفيذية، وربطاً تقنياً غير مكتمل مع المنصات الدولية. وكانت النتيجة تعطيل التجارة، وزيادة كلفة الاستيراد، وتوسّع السوق الموازي، وفقدان الثقة بالسياسة النقدية. فالسـياسة الاقتصادية لا تُدار بردود فعل، ولا تُقاس بالتصريحات، بل بالأثر المتراكم، وهنا كان الأثر التراكمي سلبياً وبامتياز.

فشل “حزم الانضباط المالي” في تحقيق أهدافها

يُقال إن حزمة الانضباط المالي الأخيرة هدفت إلى فحص مسارات الإنفاق، وتعزيز كفاءة الإيرادات، وتوسيع وضبط الأوعية الضريبية والكمركية، لكن عملياً كان التوسيع جبائياً لا إصلاحياً، والضبط طال الملتزمين وترك كبار المتلاعبين، والكمرك تحوّل إلى عبء إضافي على التاجر والمستهلك، بينما زادت الإيرادات اسمياً وتآكلت القوة الشرائية فعلياً. أي أن الدولة حسّنت دفاترها، وأفقرت مواطنيها.

الخلل الحقيقي… حيث لا يريدون النظر

الخلل ليس في السوق فقط، بل في غياب سياسة تجارية واضحة، وتضارب الصلاحيات بين المالية والنقد، والاعتماد على الاستيراد بلا حماية إنتاج، وفقدان الثقة بين التاجر والمنظومة المصرفية، وإدارة الأزمة بعقلية أمنية لا اقتصادية. فسوق الصرف مرآة، لا سبب، ومن يكسر المرآة لا يعالج المرض.

المعالجات الواقعية (إن كان هناك قرار فعلي)

توحيد السياسة المالية والنقدية لا تبادل اللوم، وتحرير التحويلات المشروعة بدل خنق السوق، وإصلاح ضريبي عادل لا توسعة عمياء، وحماية الإنتاج المحلي فعلياً لا بالشعارات، والانتقال من إدارة سعر الصرف إلى إدارة الاقتصاد. فإذا كان التذبذب “وقتيّاً”، فلماذا طال ثلاث سنوات؟ وإذا لم يكن “هيكلياً”، فلماذا يتكرر مع كل قرار؟ وإذا كانت المعالجة ناجحة، فلماذا يدفع المواطن الثمن وحده؟

المشكلة ليست في الدولار… المشكلة في إدارة الدولة للاقتصاد بعقلية التصريح لا بعلم السياسة الاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *