تقوم المنظومة الدولية، نظريًا على جملة من المبادئ التي أُقرت بعد الحرب العالمية الثانية، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والاحتكام إلى القانون الدولي بوصفه مرجعية ناظمة للعلاقات بين الفاعلين الدوليين، إلا أن التحولات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة أفرزت واقعًا مغايرًا، تمثّل في تصاعد الأحادية القطبية وتراجع مبدأ التوازن الدولي، ما فتح المجال أمام هيمنة القوة على حساب القانون.
يشير منطق القوة في العلاقات الدولية إلى حالة تصبح فيها القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية للدول الكبرى العامل الحاسم في تحديد شكل النظام الدولي، متجاوزة بذلك القواعد القانونية والمؤسسات الجماعية، ففي هذا الإطار لا تُقاس شرعية الأفعال بمدى انسجامها مع القانون الدولي، بل بقدرة الدولة الفاعلة على فرضها دون مساءلة، وتتحول مفاهيم السيادة والاستقلال إلى شعارات شكلية، تُحترم حين تتوافق مع مصالح القوى المهيمنة، وتُخرق حين تشكّل عائقًا أمامها.
لقد أدّى انهيار الثنائية القطبية إلى اختلال عميق في ميزان القوى الدولية، أتاح للولايات المتحدة موقع الصدارة بوصفها القوة الأكثر نفوذًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، هذا التحول لم يُترجم إلى تعزيز النظام الدولي القائم على القواعد، بل إلى توسيع هامش التدخل الأحادي، سواء عبر استخدام القوة العسكرية المباشرة، أو من خلال أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي، ومع مرور الوقت، تراجع دور المؤسسات الدولية، ولا سيما الأمم المتحدة، لصالح قرارات تتخذ خارج الأطر الجماعية، ما أضعف فكرة الشرعية الدولية نفسها.
وتعتمد الولايات المتحدة في تكريس نفوذها العالمي على مجموعة من الأدوات المتكاملة، فالتدخل العسكري يُسوّغ تحت ذرائع متعددة، كحفظ الأمن أو حماية الديمقراطية، بينما تُستخدم العقوبات الاقتصادية كوسيلة لإخضاع الدول التي تخرج عن النسق السياسي المرغوب، كما يجري توظيف النظام المالي العالمي، والإعلام الدولي، وخطاب حقوق الإنسان، بما يخدم أهداف السياسة الخارجية الأمريكية، ويؤدي هذا التداخل بين القوة الصلبة والناعمة إلى خلق بيئة دولية غير متكافئة، تفتقر إلى العدالة وتكرّس منطق الإكراه.
وتمثل حادثة اختطاف أو اعتقال الرئيس الفنزويلي تطورًا نوعيًا في مسار التدخل في شؤون الدول ذات السيادة، فاستهداف رئيس دولة معترف بها دوليًا، خارج أي إطار قانوني دولي أو تفويض أممي، يُعدّ خرقًا واضحًا للأعراف الدبلوماسية ولمبدأ الحصانة السيادية، كما تعكس هذه الواقعة نزعة متزايدة نحو تحويل الخلافات السياسية إلى إجراءات قسرية، تُفرض بالقوة أو التهديد، في تجاهل تام لإرادة الشعوب وشرعية أنظمتها السياسية.
ولا تقتصر خطورة هذه الحادثة على بعدها السياسي المباشر، بل تمتد إلى تأثيراتها بعيدة المدى على بنية النظام الدولي، إذ تسهم في إضعاف الثقة بالقانون الدولي، وتشجّع على تكرار مثل هذه الأفعال من قبل قوى أخرى، ما يفتح الباب أمام فوضى دولية يصعب ضبطها، كما أنها تعزز شعور الدول الضعيفة بعدم الأمان، وتدفعها إما إلى الارتهان لقوى كبرى أو إلى البحث عن وسائل ردع خارج إطار الشرعية الدولية.
تؤكد التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها حادثة الرئيس الفنزويلي، أن العلاقات الدولية تمر بمرحلة دقيقة يتراجع فيها حكم القانون لصالح منطق القوة والهيمنة، فحين تُنتهك السيادة، ويُستباح موقع الرئاسة ذاته، يصبح النظام الدولي مهددًا في أسسه، وتغدو القواعد التي وُضعت لضبط العلاقات بين الدول مجرد نصوص بلا فاعلية، إن استمرار هذا المسار ينذر بعالم تحكمه شريعة الأقوى، ما يستدعي إعادة النظر في آليات النظام الدولي، وتعزيز التعددية والتوازن، قبل أن يتحول منطق القوة إلى القاعدة الحاكمة الوحيدة للعلاقات بين الدول.
