لم تعد شكاوى الجماهير العراقية من التحكيم مجرّد انفعالات عاطفية تُرافق الخسارة، ولا محاولات لتبرير نتيجة غير مرضية، بل تحولت مع تكرار الوقائع إلى تساؤلات مشروعة تفرض نفسها بإلحاح. ففي كل مرة يكون الحكم خليجيًا او اردنيا او مقيما في دول الخليج طرفًا في إدارة مباراة يكون فيها العراق حاضرًا، يعود الجدل ذاته: هل كانت الصفارة عادلة فعلًا؟ أم أن العدالة تغيب حين يدخل العراق طرفًا في المعادلة؟
القضية هنا لا تتعلق بكأسٍ يُرفع أو بطولة تُحسم، فهذه أمور زائلة بطبيعتها، بل تتصل بجوهر أعمق وأخطر: نزاهة الحكم العربي وعدالته. لأن التحكيم ليس مجرد قرارات فنية، بل هو سلطة مؤقتة تُمنح لإنسان ليكون ميزانًا بين فريقين، فإن اختل هذا الميزان، اختلت معه روح المنافسة، وضُربت قيمة الرياضة في صميمها.
ما يثير القلق حقًا ليس خطأ تحكيميًا واحدًا، فالخطأ وارد في كل ملاعب العالم، وإنما تكرار الأخطاء او تعمدها في اتجاه واحد، وتراكم القرارات المثيرة للريبة، وتحوّل الشك إلى قناعة شعبية بأن العراق غالبًا لا يُعامَل على قدم المساواة حين يكون الحكم من بيئة عربية وبالخصوص خليجية محددة. وهذا بحد ذاته مؤشر خطير، لأن العدالة لا تُقاس فقط بما يُعلن، بل بما يشعر به المتضررون منها.
الأمر الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من هؤلاء الحكام ينتمون إلى فضاء عربي إسلامي، يفترض أن تكون العدالة فيه قيمة راسخة قبل أن تكون قانونًا رياضيًا. فالعدل في الإسلام ليس خيارًا انتقائيًا، ولا يُجزّأ حسب الانتماءات أو المصالح، بل هو تكليف ثقيل. وقد حذّر الدين أشد التحذير من الظلم، ومن الكيل بمكيالين، ومن الانحياز تحت أي مبرر، لأن الظلم إذا صدر من صاحب سلطة كان أشنع وأعظم إثمًا والامر المحير كيف ان هؤلاء الحكام المسلمون من العرب والخليج عندما يتعمدون الظلم الا يخجلون من الله العدل الا يخافون عقابة؟؟.
إن الحكم حين يتواطأ، أو يميل، أو يتغاضى عن الخطأ المتعمد، لا يظلم فريقًا فحسب، بل يظلم نفسه أولًا، ويضع ذمته في موضع سؤال عسير. وقد ورد في الأثر أن من جُعل قاضيًا فقد ذُبح بغير سكين، في إشارة إلى خطورة المنصب حين يُفرّط صاحبه بالعدل. فكيف إذا كان هذا التفريط مقصودًا أو متكررًا؟
ولو أن الحكم، أيًّا كان، قدّم ضميره على أي إغراء، وفضّل النزاهة على الرضا المؤقت، لكان أكرم لنفسه وأبقى لذكره. فالرزق لا يأتي من بوابة الظلم، والنجاح الذي يُبنى على انكسار الآخرين سرعان ما ينهار، لأن ما يُؤخذ بغير حق لا يدوم.
إن العراق، حين يحتج، لا يطلب امتيازًا، ولا يسعى إلى معاملة تفضيلية، بل يطالب فقط بما هو بديهي: عدالة حقيقية، وصفارة على مسافة واحدة من الجميع. أما استمرار تجاهل هذه الإشكالية، فهو لا يسيء للعراق وحده، بل يسيء إلى سمعة التحكيم العربي بأسره، ويحوّل الرياضة من ساحة تنافس شريف إلى ساحة شكوك واتهامات.
قد تُحسم المباريات، وقد تُغلق الملفات، لكن العدالة إن غابت اليوم، ستبقى شاهدًا غدًا. فالتاريخ لا ينسى، والجماهير لا تنسى، وميزان السماء لا يخطئ.
وعليه، فإن أي قراءة جادة لهذا الملف يجب أن تنطلق من إعادة الاعتبار للقانون، لا بوصفه أداة انتقائية، بل كمرجعية سيادية لا تخضع للمساومة.


