تأتي استراتيجية الأمن الوطني العراقي (العراق أولاً 2025–2030) كإطار استراتيجي شامل يسعى إلى إعادة ضبط مسار الدولة العراقية في مرحلة تتسم بتحولات إقليمية معقدة وتحديات داخلية متراكمة، فالعراق، بوصفه دولة محورية في الشرق الأوسط، يواجه منظومة واسعة من التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية التي تفرض ضرورة تبني رؤية جديدة تتجاوز المعالجات التقليدية، وتستند إلى منهج وقائي–تنموي يعيد للدولة قدرتها على إدارة الموارد، وبناء المؤسسات، وحماية المجتمع، وتفعيل دور العراق الإقليمي والدولي، ومن هنا تأتي هذه الاستراتيجية لتجسد مبدأ العراق أولاً بوصفه الأساس الذي تنطلق منه جميع محاور التخطيط الأمني والاقتصادي والاجتماعي.
تسعى هذه الاستراتيجية إلى تقديم تصور متكامل لمفهوم الأمن الوطني، بوصفه منظومة مترابطة تشمل الأمن العسكري والأمني، والأمن الاقتصادي، والأمن المجتمعي، والأمن البيئي، والأمن السيبراني، فضلاً عن تعزيز الحوكمة الرشيدة، وترسيخ سيادة القانون، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وتعتمد الاستراتيجية على مقاربة واقعية تستند إلى إدراك حجم التحديات الماثلة، مثل استمرار تهديدات الإرهاب، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، وضعف التنويع الاقتصادي، والهشاشة المؤسسية، وتحديات تغيير المناخ والموارد المائية، فضلاً عن التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في المنطقة.
وفي ضوء هذه البيئة المركّبة، تضع استراتيجية العراق أولاً ( 2025–2030 ) مجموعة من الأولويات التي تهدف إلى تعزيز قدرة الدولة على الصمود، ومراكمة القوة الوطنية الشاملة، عبر تطوير قطاع الأمن والدفاع، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي، وتحديث البنى التحتية الحيوية، وتمكين الشباب والمرأة، وتحسين جودة التعليم والصحة، وتوسيع مساحة المشاركة المجتمعية في صنع القرار، وتولي الاستراتيجية اهتماماً خاصاً بإعادة تعريف دور العراق الخارجي، بصورة توازن بين المصالح الوطنية ومتطلبات الانخراط الإيجابي في البيئة الإقليمية والدولية.
وبذلك، لا تُعد هذه الاستراتيجية مجرد وثيقة تقنية، بل تمثل رؤية وطنية طويلة الأمد تتطلع إلى بناء عراق قوي، مستقر، مزدهر، ومؤثر، قادر على حماية سيادته، واستثمار موارده، وتعزيز مكانته كفاعل مسؤول في النظامين الإقليمي والدولي، واضعاً الإنسان العراقي في قلب عملية الأمن والتنمية على حد سواء، ولذلك سوف نتطرق الى بعدين رئيسيين وهما :
أولاً : البعد الأمني في إستراتيجية الأمن الوطني ( 2025–2030)
يمثّل البعد الأمني أحد الركائز الأساسية في الاستراتيجية، ويركّز على بناء منظومة أمنية متكاملة قادرة على الاستجابة السريعة للتهديدات، ومنع عودة الإرهاب، وضبط الحدود، وتطوير قدرات القوات المسلحة والأجهزة الاستخبارية ، ويمكن تفصيله عبر النقاط الآتية:
1. تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية والعسكرية : من خلال إعادة هيكلة المؤسستين العسكرية والأمنية عبر تحديث العقيدة القتالية، وإعادة تنظيم الوحدات بما يتلائم مع التهديدات المعاصرة، خصوصاً تهديدات الجماعات المسلحة غير النظامية. و تطوير القدرات الاستخبارية من خلال تحديث أدوات الرصد والتحليل، وربط قواعد البيانات بين المؤسسات الأمنية لتسريع تبادل المعلومات ومنع الثغرا،. فضلاً عن رفع جاهزية القوات عبر برامج تدريب مشتركة مع الدول الشريكة، وإدخال التكنولوجيا الحديثة مثل الطائرات المسيّرة وأنظمة المراقبة الذكية.
2. مكافحة الإرهاب ومنع عودته : من خلال اعتماد منهج الوقاية قبل المواجهة من خلال مراقبة الخلايا النائمة، ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للتطرف، ودعم برامج الاندماج المجتمعي. وتفعيل العمليات المشتركة بين الجيش والشرطة وجهاز مكافحة الإرهاب والحشد ضمن إطار الدولة، لضمان تكامل الجهد الأمني ومنع تداخل الصلاحيات، وتعزيز التعاون الدولي مع التحالفات الاستخبارية ومراكز مكافحة الإرهاب لمتابعة تحركات التنظيمات العابرة للحدود.
3. ضبط الحدود ومنع التهديدات الخارجية : تطوير منظومات المراقبة الحدودية باستخدام الكاميرات الحرارية والطائرات المسيرة، وإقامة مراكز حدودية متقدمة للسيطرة على الحدود مع سوريا وإيران وتركيا والسعودية، ومكافحة التهريب وتسلل الجماعات المسلحة عبر زيادة التنسيق بين قوات الحدود والاستخبارات العسكرية، وإشراك العشائر المحلية في برامج الأمن المجتمعي للمناطق الحدودية، مع تنظيم العلاقة مع القوى الإقليمية بما يضمن عدم استخدام الأراضي العراقية كساحة لتصفية الصراعات، وتعزيز سياسة الحياد الإيجابي في التنافس الإقليمي.
يمكن القول إن البعد الأمني في استراتيجية الأمن الوطني العراقي 2025–2030 لا يقتصر على المعالجة العسكرية للتهديدات، بل يشمل بناء منظومة أمنية متماسكة تعتمد التكنولوجيا الحديثة، وتكامل المؤسسات، والسيطرة على الحدود، والتعاون الدولي، ويُمثّل هذا البعد الأساس الذي تستند عليه بقية الأبعاد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لضمان استقرار العراق خلال السنوات القادمة.
ثانياً : البعد المجتمعي في استراتيجية الأمن الوطني العراقي ( 2025–2030)
يُعد البعد المجتمعي محوراً أساسياً لضمان الاستقرار الداخلي، لأنه يركّز على تقوية المجتمع، ومعالجة مسببات التوتر الاجتماعي، وبناء الثقة بين الدولة والمواطن، وتعزيز الهوية الوطنية، ويتضمن البعد المجتمعي ثلاثة محاور رئيسية:
1. تعزيز التماسك الاجتماعي والهوية الوطنية : ترسيخ قيم المواطنة والانتماء الوطني عبر دعم خطاب الوحدة والابتعاد عن الخطاب الطائفي أو القومي المتشدد، بما يعزز شعور الفرد بأنه جزء من منظومة الدولة وليس منتمياً لهوية فرعية فقط، وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والثقافية في إنتاج ثقافة وطنية مشتركة تحارب التطرف، وتدعم قيم التسامح والعيش المشترك، مع تقوية التضامن المجتمعي من خلال برامج تشجع على التفاعل بين مختلف المكونات وتمنع عودة التوترات التي تسببت بها الصراعات السابقة.
2. معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد الأمن : مكافحة الفقر والبطالة عبر برامج حكومية موجهة للشباب، لأن الحرمان الاقتصادي يُعد أحد أهم مصادر التوتر والتطرف الاجتماعي، وتحسين جودة الخدمات العامة — مثل الصحة، التعليم، السكن، والمياه — لضمان شعور المواطن بالعدالة الاجتماعية وتقليل فجوة الثقة مع الدول،. فضلاً عن رعاية الفئات الهشة كالنازحين، والأرامل، والشرائح ذات الدخل المحدود، عبر خطط إعادة دمج مجتمعي تمنع تفاقم الأزمات الإنسانية التي قد تتحول إلى تهديدات أمنية.
3. بناء مجتمع قادر على الصمود أمام الأزمات : تعزيز الوعي المجتمعي في مواجهة الأزمات مثل الكوارث البيئية، الأوبئة، أو التوترات السياسية، عبر حملات تثقيفية وتدريبية تزيد قدرة المجتمع على التكيف، مع تعزيز دور منظمات المجتمع المدني كشريك داعم للدولة في مراقبة الأداء الحكومي، وبناء المشاركة الشعبية، وتطوير برامج المبادرات المحلية. وتفعيل نظام الإنذار المبكر المجتمعي من خلال مؤسسات محلية قادرة على كشف بوادر الأزمات (مثل التطرف، النزاعات المحلية، أو تراجع الخدمات) والتعامل معها قبل تفاقمها.
يمكن القول إن البعد المجتمعي في استراتيجية الأمن الوطني 2025–2030 يركز على تقوية المجتمع، معالجة أسباب الاضطراب، تعزيز الهوية الوطنية، وتحسين الخدمات، وبناء مجتمع قادر على مواجهة الأزمات، وهو أساس لأي استقرار سياسي وأمني واقتصادي في العراق خلال السنوات القادمة.
الخاتمة
تمثل إستراتيجية الأمن الوطني العراقي العراق أولاً 2025–2030 خطوة مفصلية في مسار بناء الدولة الحديثة، إذ إنها لم تعد تنظر إلى الأمن بوصفه مسألة عسكرية أو أمنية تقليدية، بل بوصفه إطاراً واسعاً يشمل حماية الدولة والمجتمع معاً، عبر مقاربة تكاملية تربط الأمن بالاقتصاد والتنمية والحوكمة والاستقرار الاجتماعي، فقد أكدت الاستراتيجية أن تحصين العراق داخلياً هو المدخل الأساس لتعزيز مكانته إقليمياً ودولياً، وأن بناء الأمن يبدأ من تمكين مؤسسات الدولة، وضبط السلاح، وتطوير قدرات القوات الأمنية، إلى جانب تقوية المجتمع ورفع مستوى الوعي والتماسك والقدرة على التكيف مع الأزمات.
في الجانب الأمني، شددت الوثيقة على ضرورة إعادة هيكلة المنظومة الأمنية بما يضمن المهنية والقدرة على التعامل مع التهديدات المتغيرة، سواء كانت إرهابية، سيبرانية، أو مرتبطة بالحدود والجريمة المنظمة، وركزت على أهمية تعزيز السيادة، وبناء شراكات دولية متوازنة، وتطوير آليات الاستجابة للطوارئ، بما يجعل العراق أكثر قدرة على مواجهة المخاطر المستقبلية بأقل التكاليف وأكثر الكفاءة.
أما في البعد المجتمعي، فقد أبرزت الاستراتيجية أن قوة المجتمع هي الأساس الحقيقي للأمن الوطني، إذ لا يمكن تحقيق استقرار دائم دون مجتمع متماسك، مزدهر، وقادر على المشاركة في صناعة القرار، ولذلك أولت اهتماماً كبيراً لملفات التعليم، والصحة، وتمكين الشباب والمرأة، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة، وأكدت أن معالجة الفقر، والبطالة، والتمييز، وضعف الخدمات تمثل عناصر جوهرية في منع التطرف، وتقليل النزاعات، وصناعة بيئة وطنية مستقرة وفاعلة.
يمكن القول إن إستراتيجية العراق أولاً 2025–2030 جاءت لتؤسس لرؤية متوازنة ومتكاملة تضع الدولة والمجتمع في مسار واحد، يقوم على تعزيز الأمن، وترسيخ الاستقرار، ودعم التنمية البشرية، بما يجعل الأمن الوطني نتاجاً لعملٍ مشترك بين المؤسسات والمواطنين، وهي رؤية تسعى إلى بناء عراق قوي، قادر على حماية سيادته، وتحصين مجتمعه، واستثمار موارده، والانطلاق بثقة نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.ك.


