في المشهد السياسي العراقي، يبرز نموذجٌ غريب لرئيس وزراء لا يُـقاس أداؤه ببرنامجه، ولا تُـراقَـب حكومته بحجم الإنجاز، بل يُـعرف بـ رئيس وزراء”الترضية”
ذاك الذي يوزّع الوزارات كما تُـوزَّع الجوائز الترضوية في نهاية عام دراسي فاشل، فيحصل كل طامع على حصته من “خير العراق”، بشرطٍ واحد: أن يصمت عن مساءلة الرئيس وأخطائه.
هذا النمط من الحكم ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسُـنّـة رسّـختها معظم الطبقة السياسية منذ مؤامرة ما بعد صلاة الظهر الصولاغية القبيحة وحتى يومنا هذا ..مؤامرة ما بعد صلاة الظهر الصولاغية، أعادت صياغة مفهوم الدولة: من مؤسسة إلى “غنيمة” .. ومن تكليف إلى “ترفيه سياسي” .. ومن إدارة مسؤوليات إلى إدارة ولاءات!
وزارات تُـمنح لا تُـكلف
في الحكومات الجادة، تُـمنح وزارة النفط لخبير، ووزارة المالية لاقتصادي، ووزارة الداخلية لرجل دولة يفهم الأمن .. هكذا يكون. أما في حكومات “الترضية”، فتُـعطى الوزارة لمَـن يرفع صوته أكثر، لا لمن يرفع أداء الدولة! وزارة النفط؟ خذها إن شئت! المالية؟ لا بأس، “حلال عليك”! الدفاع؟ ما دام تسكت، ماكو مشكلة”! وهكذا تُـدار الدولة بعقلية سايبرانية: “اسكت .. وخذ حصتك”! وبدل أن تكون الوزارة مسؤولية .. تصبح صفقة صمت، وبدل أن تكون الحكومة فريق عمل .. تصبح بازاراً سياسياً يُـباع فيه النقد بالاستحقاق.
المذهب والمكوّن إنشاءٌ أجوف
وحين تضيق الحجج ويشتد النقد، يُـخرَج السلاح الأقدم: المذهب في خطر، المكوّن مستهدف، الوطن بحاجة إلى التكاتف لكن ما عاد الناس تنطلي عليهم تلك المفردات المعلّـبة ..
صارت هذه الكلمات أشبه بـ”غلاف بلا محتوى”، تُـستخدم للتغطية على الخراب الإداري، والفساد الممنهج، والفشل الذي لا يحتاج إلى دليل.
الناس خرجت لا دفاعاً عنكم
ينبغي أن تعي الطبقة السياسية العراقية حقيقة واحدة: الناس لم تخرج مؤيدة لأداء الحكومة ولا لما أفرزته طبقتكم من رؤساء ووزراء ..أبدا ..الناس خرجت لأن ما بعد هذا السوء أسوأ ..خرجت خوفاً من الانهيار، لا حباً بمن ينهب .. خرجت لتحمي النظام السياسي من الفوضى، لا لتحميكم من محاسبة التاريخ. الشعب أدرك، رغم كل المعاناة، أن سقوط النظام السياسي يعني فوضى لا نهاية لها، وأن استمرار هذه الطبقة، رغم سوء أدائها، أهون من فتح باب لا يُـعرف مَـن وما يغلقه.
إن رئيس وزراء “الترضية” ليس شخصاً فقط، بل:
١- منهج تفكير.
٢- وأسلوب حكم.
٣- وثقافة طبقة سياسية تعتقد أن الدولة تُـدار بتسكيت الخصوم، لا بخدمة الناس.
ولكن الزمن تغيّـر، والوعي تغيّـر، والناس لم تعد ذلك الجمهور الساذج الذي يُـمرَّر عليه الخطاب الطائفي أو المذهبي أو العاطفي.
قطاع واسع من الشعب بات يدرك أن الولاء للعراق أكبر من كل الولاءات الصغيرة، وأن استمرار هذا الأسلوب في الحكم لن يقود إلا إلى مزيد من الانحدار، حتى تصل لحظة يصبح فيها “الأسوأ” واقعاً لا تحذيراً.
ولعلّ هذه الرسالة تُـقرأ جيداً قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه توزيع الوزارات، ولا شراء الصمت، ولا صناعة الترضيات.


