التاريخ لايصمت ، والجغرافيا لاتتكلم .
تمهيد : مشكلات الشيعة مع اشكالية الجغرافيا وتعسف التاريخ ، لم تتوقف يوماً ، ففيهما ومنهما ،بدأت وتواصلت محاولات ايجاد مفاهيم أخرى للدولة ،عدا تلك التي مارست اضطهادهم منذ ظهور الاسلام والفتح العربي ، ولما كانوا مجتمعاً قبائلياً ، احتفظ بالكثير من عاداته وتقاليده الموروثة ، فقد حاولت كل قبيلة حيناً ، وبتحالفات عشائرية أحياناً أخرى ، ايجاد نوع من الدولة خاصاً بهم ، فهل نجحت محاولات تغيير شكل الدولة ، من مفهوم القبيلة ، الى فهم المواطن جغرافياً ؟ وكيف انعكست على تجربتهم الحاضرة في الحكم ؟…
في واحدة من تعريفات التاريخ ،انه صنع الانسان في الجغرافيا – كما أسلفنا – لكنه في العراق ،يمكن أن يقرأ معكوساً “صنع الجغرافيا في الانسان” فمنذ أقدم العصور ،كانت الجغرافيا العراقية – خاصة الجنوبية والوسطى منها – هي موضع نعمة ونقمة لساكنيها ، فقد نشأت فيها أقدم الحضارات وأكثرها فاعلية ،وقد ساعدها في ذلك وفرة الماء وخصوبة الطين ،حتى نسب للإمام الصادق قوله : “نحن أبناء النبطين ،الماء والطين ” ،وأطلق العرب على تلك السهول الخصبة “أرض السواد ” وكانت قبلها تسمى “سومار” أي السمراء ..
لكنها في الوقت عينه ،ولوقوعها على تخوم صحراء قاحلة جنوباً وغرباً ، وجبال وعرة شمالاً وشرقاً ،كما انها مفتوحة دون سواتر طبيعية ،لذا طالما كانت عرضة للطامعين والغزاة ،ما رسم نذر المأساة المتواصلة التي كان على سكان تلك المناطق أن يعانوها ..
شروكَي – معيدي – كلمتان ارتبطا بالجغرافيا أساساً ،فالأولى ” شيروكَي “كلمة سومرية مركّبة تعني نشيد الأرض – تورد كذلك شيروكَين – نشيد الطين أي الحقول الزراعية – أما كلمة معدان ،فأصلها مودان – لؤلؤة الماء – كما هو الجذر التاريخي المنبثق من تلك الأرض ، لكن المفردتين شوهتا في المعنى وتحولتا الى مثلبة في الاستخدام ،فالشروكَي نُسب جغرافياً الى جهة الشرق ، فيما تحول المعدان ،الى رعاة للجاموس ،جلبهم محمد القاسم من الهند ،رغم ان كلمة معيدي ،كانت معروفة قبل ظهور الاسلام ،وقد نسبت الى النعمان بن المنذر في وصفه لشاعر مجيد ” اسمع بالمعيدي خير من أن تراه “..
الجغرافيا “الشيعية ” في العصر الحديث ،المتمركزة في الجنوب والوسط ، كانت مصدراً للثروات البشرية والطبيعية معاً ، لكن نصيب أهلها ،اقتصر على زجّ ابنائها في الحروب ،ونهب خيراتها باستنزاف دائم ..
حين أصبح الحكم بيد الشيعة ، لم يجعلوا من تلك الجغرافيا موضع نعمة لأهلها ، وهم القاعدة الاجتماعية الرئيسة للحكم ، بل بقيت مصدر استنزاف لثرواتها البشرية والطبيعية ،وموضع فقر وحاجة لأهلها ..
القوى السياسية الشيعية ،لم تحسم أمرها في التعامل مع الجغرافيا صاحبة الطين ،رغم انها تحوي الموروث الديني “ولادة النبي ابراهيم ومراقد الأئمة ” والثروات الطبيعية ، بدءاً من البترول ،وليس انتهاءً بالحقول والثروات الحيوانية وغيرها ،كذلك الثروات الثقافية حيث المنجز الحضاري في الإرث الرافديني ..
القلق الكامن في نفوس الشيعة ،جعلهم يحاولون ارضاء الآخرين بأية صورة ، وكان ذلك على حساب النهوض بالعراق في أهم جوانبه من الجغرافيات الثلاث: المساحية والبشرية والسياسية ،رغم ان الفرصة كانت مؤاتية لاستغلال الجغرافيا المساحية في تطوير الجغرافيا البشرية وبناء الجغرافيا السياسية ،في الوقت عينه ..
كان من حقّ الجغرافيا الجنوبية والوسطى – خصوصاً – أن تجد من يعيد تنميتها واصلاحها ،بعد أن شهدت الحروب الأكثر قسوة – الخليج الأولى والثانية والغزو الأمريكي – حيث تعرضت الى آلاف الاطنان من القنابل الفتاكة والاسلحة شديدة الدمار ،ليس على البشر وحسب ، بل على الأرض كذلك ، التي فقدت الكثير من حيويتها وخصوبتها ، واستهلكت اشجارها في ثلاثة عقود من حكم الدكتاتورية ،بعد ان حافظت على تلك الحيوية طوال آلاف السنين ، لكن القوى السياسية الشيعية ،لم تبذل مايكفي من جهد تجاه تلك الأرض بمساحتها وسكانها ،الذين تركوها بمعظمهم ، من أجل الالتحاق بحواضن المدن للبحث عن وظائف حكومية .
تلك الجغرافيا ،هي واحدة من أهم مصادر القوة لدى الشيعة – ان لم تكن أهمها – لذا كان ينبغي ان تولى اهتماماً استثنائياً ومكثفاً لإ عادة اعمارها وانعاشها ،ولابديل أمام الشيعة سوى القيام بذلك .
(*) الجغرافيا العراقية ،هي الوحيدة – التي شهدت قيام عشر عواصم – حسب ماهو معروف تاريخياً – هي : أريدو – كَيش – أور – أوروك – لارسا – بابل – نينوى – الكوفة – بغداد – سامراء .


