غياب الدولة عن المخيمات… واستنزاف الدم اللبناني في زمن التحريض الإعلامي

جريمة مقتل إيليو أبو حنّا كشفت ضعف الدولة اللبنانية في فرض الأمن داخل المخيمات، وأكدت الحاجة لإعادة بناء السلطة وبسط القانون، منعًا للفوضى التي تستغلها إسرائيل لزعزعة الاستقرار ووحدة لبنان، مع ضرورة التعاون الأمني الشامل....
لا تزال حادثة مقتل الشاب إيليو أبو حنّا في مخيم شاتيلا تتصدر المشهد اللبناني، وتفرض نفسها على الساحة كجرس إنذار قوي، لا لِما تختزنه من مأساة إنسانية فحسب، بل لما تعكسه من خلل بنيوي عميق في أداء الدولة اللبنانية وعجزها المستمر عن فرض سيادتها داخل المخيمات. فقد جاءت الجريمة كصفعة مؤلمة لسلطة مأزومة، عاجزة عن ضبط السلاح غير الشرعي الذي يتحرك بلا قيود، ومخيمات باتت خارج الرقابة الفعلية وكأنها كيانات موازية لا تخضع لمنطق الدولة.

 

إيليو أبو حنّا، الشاب الذي كان في مقتبل العمر، وجد نفسه في قلب فوضى قاتلة حين أُطلق عليه وابل من الرصاص داخل سيارته، في مشهد ترك اللبنانيين أمام صدمة مضاعفة: صدمة اغتيال شاب بريء، وصدمة إدراك أن الدولة تركت هذه المساحات لعوامل القوة الداخلية والولاءات المتشابكة. وقد جاء الاستنكار الواسع من لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني ليؤكد أن الجريمة ليست حادثًا معزولًا، بل تجلٍّ واضح لغياب الدولة عن منطقة باتت تُدار خارج سلطتها الشرعية، وتُدار فيها البنادق وفق مزاج القوى المسيطرة لا وفق القانون.

 

إن ما كشفته هذه الجريمة يتجاوز حدود الحادثة إلى سؤال أكبر عن دولة فقدت جزءًا من إمكانها على ضبط الأمن. حكومة مرهقة، وجيش مكبل، وأجهزة أمنية تفتقر إلى القدرة والموارد؛ في مقابل مخيمات تحولت إلى جزر أمنية، حيث يتكاثر السلاح ويتراجع حضور الدولة إلى مستوى الشعار، لا الفعل. هذا الفراغ الأمني لا يبقى داخليًا، بل يصبح ساحة مفتوحة لاستثمار الأطراف الخارجية، وفي مقدمتها إسرائيل التي لا تفوّت فرصة لاستغلال الفوضى في محاولة التحريض على حزب الله وإضعاف صورته، عبر أدوات إعلامية تسعى لجرّ الداخل اللبناني إلى مواجهة لا وجود لها إلا في خيال العدو ومشاريعه.

 

ومع أن تلك الحملات محكومة بالفشل لافتقارها إلى أي قاعدة شعبية داخل لبنان، فإن خطورتها تكمن في أنها تُرهق المجتمع، وتخلق بؤر توتر تُستنزف فيها الدماء اللبنانية بلا ثمن. فالرصاصة التي قتلت إيليو أبو حنّا لم تكن مجرد فعل إجرامي، بل كانت إحدى نتائج هذا التفلت الذي يدرك حزب الله مخاطره أكثر من غيره، ولذلك يسعى جاهدًا إلى تجنّب أي صدام داخلي يمكن أن يُستغل لإشعال فتنة داخلية تخدم العدو الصهيوني أكثر مما تخدم لبنان.

 

ولعلّ ما يميز المشهد اليوم أن روح الشهيد السيد حسن نصر الله ما تزال حاضرة بقوة بين اللبنانيين، نابعةً من خطاب المقاومة وثباتها، وممتدةً كرمز يوحّد الأحرار تحت عباءته التي طالما جمعت المختلفين حول خيار الدفاع عن لبنان. هذه الروح التي لا تزال نابضة في الوجدان الشعبي تجعل محاولات شق الصف الداخلي عبثًا لا طائل منه، لأن الوعي الجماعي بات يدرك أن الفتنة الداخلية هي السلاح الأكثر فتكًا الذي سعت إسرائيل إلى استخدامه عبر التاريخ، لكنها عجزت عن اختراق بنية مجتمع تشكلت هويته من الصمود والوحدة.

 

ولذلك فإن الطريق نحو حماية لبنان لا يبدأ من الرد على الحملات الإعلامية، بل من إعادة بناء الدولة نفسها، وبسط سلطة القانون على كل شبر من الأراضي اللبنانية بما فيها المخيمات. فمن غير المقبول أن تبقى هذه المناطق خارج سيطرة الدولة، أو أن يستمر السلاح غير الشرعي بلا ضابط أو مساءلة. إن الحل يتطلب شراكة أمنية واضحة مع الفصائل الفلسطينية، وإرادة فعلية لدى الحكومة لإعادة تنظيم المشهد الأمني بعيدًا عن المجاملات السياسية والتوازنات الهشة.

إن لبنان يستحق دولة قوية لا تُدار من الهامش، ودورًا سياديًا لا يتشظى بين مراكز القوة، واستقرارًا لا يكون فيه دم الشباب وقودًا لصراعات أرادها العدو لإضعاف المقاومة. إن حماية لبنان اليوم تبدأ من المخيمات، ومن إحياء سلطة الدولة، ومن منع إسرائيل من تحويل الفوضى إلى أداة لضرب وحدته الداخلية واستنزاف مقدراته.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *