عودة شبح الـ “CPA” والمسخ الدبلوماسي، يمثل تعيين الدبلوماسي البريطاني، عرفان صديق، سفيراً جديداً للمملكة المتحدة في بغداد، ليس مجرد تبادل روتيني للمناصب الدبلوماسية، بل هو إعلان عن نية استعمارية متجددة ووقاحة سياسية تخترق عمق السيادة الوطنية العراقية. إن السيرة المهنية لهذا الرجل، وخاصة ارتباطه الوثيق والمبكر بـ سلطة الائتلاف المؤقتة (CPA) سيئة الصيت بعد احتلال 2003، تضعه في خانة مهندسي الفوضى ومرتكبي الكوارث التشريعية والسياسية التي أفضت إلى تدمير الدولة العراقية. لم يأتِ “صديق” إلى بغداد سفيراً للتعاون، بل عاد مفتشاً عاماً للاحتلال غير المباشر، ومحركاً للأجندة الأمنية والاستخباراتية الغربية، التي تسعى لاستكمال تصفية ما تبقى من القوة والقرار العراقي المستقل. هذا المقال هو كشف نقدي لاذع لدور “صديق” القديم والجديد، وتحذير من عواقب تسليم مقاليد الدبلوماسية لـ “رجل أمن” يرتدي عباءة السياسة.
-
من “سلطة الائتلاف المؤقتة” إلى السفارة، وثيقة تورط موثقة في تفكيك الدولة
إن أول وأهم نقطة في سيرة عرفان صديق، والتي تضعه موضع شبهة دائمة، هي خدمته كـ “مسؤول سياسي” في قلب سلطة الائتلاف المؤقتة (CPA) في بغداد بين عامي 2003 و 2004. لا يمكن تبرير هذه الفترة أو تغليفها بأي مصطلح دبلوماسي لطيف.
أ. الشراكة في التأسيس الكارثي:
كانت سلطة الائتلاف المؤقتة هي الذراع التنفيذي للاحتلال، وهي المؤسسة التي أصدرت القرارات الكارثية (مثل قرار حل الجيش العراقي وقرار اجتثاث البعث) التي رغم صحتها يُجمع المحللون العراقيون على أنها كانت المسؤولة المباشرة عن إشعال فتيل الحرب الطائفية، وتفشي الإرهاب، وتدمير النسيج الاجتماعي والمهني للدولة. لم يكن صديق مجرد موظف عابر، بل كان جزءاً من الهيكل السياسي الذي شارك في صياغة وتطبيق هذه القرارات المدمرة. إن عودته اليوم كأعلى ممثل للمملكة المتحدة هي إهانة مباشرة لـ ضحايا تلك القرارات وإصرار على تذكير الشعب العراقي بأن بريطانيا ما زالت تتبنى ذات العقلية الإقصائية والتقسيمية التي زرعتها في عام 2003.
ب. الخبرة في “الهندسة السياسية”:
تفيد السيرة بأن صديق شارك في صياغة الدستور العراقي المؤقت. إن الدساتير التي تُكتب تحت فوهات البنادق وفي ظل الاحتلال لا يمكن أن تكون دساتير سيادة ووطن، بل هي مخططات جاهزة لتكريس التبعية والفساد المحاصصي. إن خبرته في “الهندسة السياسية” للعراق في تلك المرحلة لم تُنتج إلا نظاماً مشوهاً وضع البلاد على حافة الهاوية. عودته تعني نية التدخل مجدداً في “هندسة” المشهد السياسي بما يخدم المصالح البريطانية في النفط والأمن الإقليمي، وليس مصالح الشعب العراقي.
-
دبلوماسية “العيون الخمس”، قناع السفير لعمليات الأمن والاستخبارات.
إن الخلفية المهنية لعرفان صديق تُشير بوضوح إلى أن وظيفته الأساسية ليست “تطوير العلاقات الثنائية” في معناها التقليدي، بل هي تجسيد لـ “دبلوماسية الأمن والاستخبارات” (Securitized Diplomacy).
أ. رجل الاستخبارات والزي العسكري:
تشير المعلومات المتداولة إلى خلفيته العميقة في العمل الأمني، وارتباطه بما يُعرف بتحالف “العيون الخمس” (Five Eyes) وهو تحالف استخباراتي عالمي يهدف إلى تجميع وتحليل البيانات الأمنية والجيوسياسية. إن وجود دبلوماسي بهذه الخلفية، والذي خدم أيضاً في مناصب حساسة في واشنطن معنية بالملف العراقي، يؤكد أن لندن لم ترسله إلا لتنفيذ مهمة ذات شقين، جمع المعلومات الأمنية الحساسة عن القوى المسلحة، التطورات السياسية الداخلية، وحركة الأموال والنفط. والتنسيق المباشر بين الأجندة الأمنية البريطانية والأمريكية لتشكيل استراتيجية مشتركة في العراق، ودفعه للابتعاد عن محاور إقليمية أخرى.
إن السفير الذي يحمل هذا الكم من الخبرة الأمنية لا يمكن أن يكون محايداً أو مجرد وسيط، بل هو جندي استخبارات متقاعد أُعيد تفعيله في أخطر بقعة جيوسياسية.
ب. محطات “التعريب الأمني”:
خدم صديق في مصر (القاهرة) وسوريا (دمشق) والعراق (بغداد)، وعمل على دراسة اللغة العربية لسنوات. هذا ليس اهتماماً ثقافياً عابراً، بل هو متطلب أساسي للعمل الاستخباري المتقن في المنطقة العربية. إن هذه الخدمة المتواصلة والمباشرة في عواصم عربية حساسة تجعل منه خبيراً في آليات تفكيك المجتمعات واختراق الأنظمة السياسية، وليس في بناء الجسور الدبلوماسية.
-
سابقة السودان المُقلقة، الطرد الدبلوماسي وتحذير لبغداد.
ليست تجربة “صديق” في العراق هي الوحيدة المثيرة للجدل، بل إن محطته في الخرطوم كسفير لبريطانيا لدى السودان (2018-2021) تُعد سجلاً أسود ودرس قاسي يجب على الحكومة العراقية أن تستوعبه.
أ. التدخل السافر في التطورات السياسية:
تزامنت فترة عمله في السودان مع موجة من الاحتجاجات والتغيير السياسي (الإطاحة بالبشير وما تلاها). أظهرت التقارير أن السفير “صديق” لم يلتزم الحياد الدبلوماسي، بل انغمس بشكل مباشر في تأييد جهات بعينها، وإصدار بيانات علنية تنتقد الأطراف الأخرى في المشهد السياسي السوداني. أدى هذا التدخل الصريح إلى استدعائه رسمياً من قبل وزارة الخارجية السودانية للاحتجاج على تصريحاته.
ب. “الظروف الأسرية” كغطاء للإخفاق الدبلوماسي:
انتهت مهمة صديق في الخرطوم قبل موعدها المُحدد، حيث أُعلن عن مغادرته “لظروف أسرية قاهرة” في يناير 2021، رغم أنه كان من المفترض أن تنتهي في سبتمبر من العام نفسه. إن الربط بين تدخلاته الدبلوماسية المباشرة والمثيرة للجدل والمغادرة المبكرة، يضع علامة استفهام كبيرة حول ما إذا كان قد أُجبر على المغادرة أو تم “سحبه” تجنباً لقرار “طرد” دبلوماسي رسمي.
إن هذه السابقة ترسم صورة واضحة، عرفان صديق هو دبلوماسي تدخلي (Interventionist Diplomat) يرى من حقه تخطي الحدود المتعارف عليها للعمل الدبلوماسي، وتحريك الشارع والساحة السياسية لخدمة أجندة بلاده. هذا السيناريو، في بلد أكثر تعقيداً وأشد حساسية مثل العراق، ينذر بـ أزمة دبلوماسية وشيكة بمجرد أن يلامس الملفات الأمنية والسياسية الساخنة.
-
خطة تصفية القوة الوطنية، والهجوم على الحشد الشعبي.
لعل التصريح الأشد فجاجة والأكثر عدوانية المنسوب لعرفان صديق هو دعوته لـ “حل أو دمج” قوات الحشد الشعبي، باعتبار أن “مهمتها انتهت بهزيمة تنظيم داعش”. هذا الموقف ليس مجرد “رأي” دبلوماسي، بل هو خطة معلنة لتجريد العراق من أهم قوة قتالية أسهمت في حفظ كيان الدولة بعد انهيار الجيش أمام إرهاب “داعش”.
أ. التناقض الصارخ مع الواقع الأمني:
إن الحشد الشعبي مؤسسة أمنية رسمية وقانونية بموجب قانون عراقي صادر عن البرلمان. إن الدعوة إلى حله هي دعوة صريحة لـ إلغاء قانون داخلي والتدخل في المؤسسة الأمنية للدولة. كما أن مهمة الحشد لم تنتهِ، فبقايا الإرهاب لا تزال تشكل تهديداً، وتلك القوات تمثل خط الدفاع الأخير عن السيادة العراقية في مناطق واسعة.
ب. خدمة أجندة إسرائيلية أمريكية؟
إن إصرار الدبلوماسية الغربية، عبر لسان صديق، على استهداف الحشد الشعبي تحديداً دون غيره من الأجهزة الأمنية، يكشف عن الهدف الحقيقي: تجريد العراق من أي قوة ردع يمكن أن تقف في وجه الأجندات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. إن تصفية هذه القوة هو بمثابة خدمة مجانية لأعداء العراق، وتهيئة الساحة لعودة الفوضى أو فرض الحلول الإقليمية القسرية.
ج. تكرار سيناريو “حل الجيش”:
يبدو أن صديق يعود إلى بغداد محملاً بذات العقلية التي تبنتها الـ CPA في 2003، اعتبار المؤسسات الأمنية الوطنية عائقاً أمام السيطرة الأجنبية. فبعد المشاركة في حل الجيش العراقي عام 2003، يحاول اليوم تكرار التجربة مع قوة وطنية جديدة أثبتت فعاليتها. هذا يثبت أن مهمته هي إضعاف الدولة، وليس تقويتها.
-
التكليف الاقتصادي، السيطرة على النفط والثروات الوطنية.
يُرافق البُعد الأمني والسياسي لتعيين صديق بُعد اقتصادي خفي ولكنه أشد خطراً. فالمملكة المتحدة، كدولة ذات مصالح عميقة في قطاع النفط والطاقة العراقي، ترى في السفير الجديد أداة لتأمين هذه المصالح وتوسيعها.
أ. تأمين عقود الطاقة الاستثمارية:
إن العراق يمثل سوقاً هائلاً للاستثمارات في قطاع النفط والغاز. يأتي صديق لتأمين عقود طويلة الأمد للشركات البريطانية (مثل بريتيش بتروليوم وغيرها) وللضغط على الحكومة العراقية لمنح الأولوية لهذه الشركات، حتى لو كان ذلك على حساب الشركات الوطنية أو الشركاء الإقليميين الآخرين.
ب. أداة للضغط على السياسة النقدية:
الخبرة العميقة لصديق في مراكز القرار الغربية تتيح له النفاذ إلى آليات الضغط الاقتصادي، بما في ذلك التحكم في السياسة النقدية والتعاملات البنكية الدولية التي يخضع لها العراق. فالسفير سيكون معنياً بالتنسيق مع الخزانة الأمريكية والمؤسسات المالية الدولية لضمان بقاء العراق ضمن إطار اقتصادي محدد يخدم المصالح الغربية، وهو ما يُقيد استقلال القرار الاقتصادي العراقي.
اخيراً يطالب المجتمع العراقي وخاصة الطبقة المثقفة التي تفكر برؤية مستقبلية، بسحب ورقة الاعتماد ورفض السيادة المنقوصة.
إن تعيين عرفان صديق سفيراً للمملكة المتحدة في العراق هو صفعة وقحة للسيادة الوطنية و إعلان استمرارية للعقلية الاستعمارية. إن تاريخه في قلب الاحتلال بصفته جزءاً من الـ CPA، وسجله المشبوه في التدخل الدبلوماسي في السودان، وتصريحاته الموجهة ضد مؤسسات أمنية عراقية رسمية، كل ذلك يجعله شخصاً غير مرغوب فيه (Persona Non Grata) قبل أن تطأ قدماه أرض بغداد.
إن وجود رجل بهذه الخلفية الأمنية والاستخباراتية والتدخلية على رأس البعثة الدبلوماسية لأقوى حلفاء أمريكا، يهدف إلى تقويض العملية السياسية من الداخل، وإضعاف القوات الوطنية، وتأمين المصالح الاقتصادية والعسكرية لبريطانيا والتحالف الغربي.
المطلوب اليوم، ودون تأخير، هو موقف وطني موحد وصريح من القيادات العراقية لـرفض استقبال السفير صديق والتحذير من مغبة أي تدخل في الشؤون الداخلية.
المطالبة الرسمية للحكومة البريطانية بإرسال شخصية ذات سجل مهني محايد، لا تحمل عبء التاريخ الأسود للاحتلال والتفكيك.
تذكير المجتمع الدولي بأن السيادة العراقية ليست سلعة للمساومة، وأن عودة مهندسي الاحتلال إلى مناصب السيادة أمر مرفوض ومُدان شعبياً وسياسياً.
إن استلام العراق لأوراق اعتماد عرفان صديق يعني اعترافاً ضمنياً بأن سيادة الدولة ما زالت منقوصة، وأن باب التفتيش الأجنبي على القرار الوطني ما زال مفتوحاً على مصراعيه. إن العراق يمر بمنعطف حاسم، والسكوت عن هذا التعيين يعني القبول بـ “سفير الاحتلال” كـ “واقع جديد”. على الحكومة العراقية أن تتخذ قراراً تاريخياً شجاعاً وحاسماً لغلق هذا الملف إلى الأبد.
مراجع مهمة (للتوثيق النقدي):
GOV.UK – Foreign, Commonwealth & Development Office: “Appointment of Irfan Siddiq as the new British Ambassador to Iraq” (للتأكد من التعيين الرسمي والمسار الوظيفي الرسمي، والذي يكشف عن عمله في الـ CPA).
Jack Fairweather (2012): A War of Choice: Honour, Hubris and Sacrifice: The British in Iraq. (مؤلف لتوثيق دور بريطانيا والدبلوماسيين المشاركين في فترة الـ CPA، لربط السفير بفترة الاحتلال).
WikiLeaks Cables (في السياق الزمني 2007-2010): (إن وجدت أي برقيات تكشف عن دوره كنائب للسفير في بغداد، وخاصة المتعلقة بالوضع الأمني والسياسي).
Al-Estiklal Newspaper: تقرير “عرفان صديق.. سفير بريطاني طُرد من السودان يُهدد بسيناريو مماثل بالعراق“. (لربط تجربته في السودان بتصريحاته حول الحشد الشعبي وتعميق السرد النقدي).
Sky News Arabia (2019): تقارير حول استدعاء الخارجية السودانية للسفير البريطاني (لتوثيق التدخل الدبلوماسي في الخرطوم الذي أدى إلى احتجاج رسمي).
Iraqi Legal and Parliamentary Records: (قانون تأسيس هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لعام 2016 لتوثيق صفته القانونية ورفض دعوات الحل).
المصادر الإخبارية العراقية المتخصصة: (مثل بيانات القوى السياسية والفصائل حول تصريحات السفير لتأكيد الجدل الدائر حوله).
أدبيات العلاقات الدولية حول “العيون الخمس” و “الدبلوماسية الأمنية”: (لتفسير خلفيته الاستخباراتية ودوره المحتمل).


