لايك مجاني في شرم الشيخ كابوس السادات قد يخنق السوداني

لايك مجاني في شرم الشيخ كابوس السادات قد يخنق السوداني
واجه السوداني مأزقاً سياسياً وصورة صعبة في قمة شرم الشيخ، بسبب قرارات فردية وعدم تنسيق داخلي، وفضيحة صورة «اللايك» مع ترامب، ما كشف تذبذب الموقف بين الداخل العراقي والظهور الدولي....

بين قمة شرم الشيخ وصخب الحملات الانتخابية، وجد محمد شياع السوداني نفسه في مأزق الصورة والموقف، حيث تحوّلت مشاركته الملتبسة إلى مرآة تكشف اضطراب السلطة وتناقض الخطاب

في لحظة سياسية حساسة، قرر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن يغامر بالظهور على الساحة الدولية، من دون أي تنسيق أو تشاور مع القوى السياسية العراقية، والتي تشكل الأساس البرلماني لحكومته، ولهذا صار يُنظر إلى السوداني بكونه يتخذ قرارات فردية أكثر منها مؤسسية، وتكشف عن نزعة انتخابية ضاغطة تسعى إلى تلميع الصورة الخارجية قبل نهاية الولاية، غير أن هذه الخطوة أثارت جدلاً عاصفاً في بغداد، خصوصاً بعد التناقض الفاضح في تسريبات المكتب الإعلامي للسوداني حول المشاركة، حيث بدت دوائر القرار الإعلامي في حالة فوضى، تتخبط بين نفي وتأكيد وتبرير.

تأثير الصورة على الداخل

وما زاد المشهد ارتباكاً هو محاولات المقربين من السوداني ربط مشاركته بأهداف دبلوماسية أو اقتصادية عامة، بينما كانت الأوساط الشعبية والسياسية تقرأها كجزء من حملة انتخابية متأخرة، في وقت لم يتبقَّ من عمر حكومته سوى “راتب شهر واحد” قبل أن يتحول إلى حكومة تصريف أعمال بلا صلاحيات ولا قرارات، فالسوداني اليوم يعيش مرحلة دقيقة بين رغبة البقاء في الواجهة وقلق الانزلاق نحو نهايات غير مضمونة.

ولعلّ التاريخ لا يرحم، فظلّ الرئيس المصري الراحل أنور السادات، الذي اُغتيل على منصة العرض العسكري بعد مسار التطبيع مع “إسرائيل”، ما زال يخيّم ككابوس على كل زعيم عربي يفكر بالاقتراب من الخط الأحمر للقضية الفلسطينية، ذلك الخط، الذي يتجاوز السياسة إلى الأخلاق والوجدان الجمعي، خصوصاً في العراق، الثابت على موقف تاريخي لا يحتمل أن يُزجّ به في أي مسار يقترب من التطبيع أو التساهل مع الكيان الصهيوني، لأن في ذلك خيانة لدماء الشهداء، ومواقف الآباء والأجداد، وفتاوى المراجع الكبار.

ومن بين ما أُثير من جدل، صورة للسوداني مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث بدا وكأنه يمنحه “إشارة لايك” في لقطة عابرة، هذه الصورة الصغيرة أطلقت موجة واسعة من السخرية والجدل، إذ فُسّرت على أنها “تأييد مجاني” لرجل أحمق متهور يعتبره العراقيون مسؤولاً عن اغتيال قادة النصر، الذين حرروا البلاد من الإرهاب، بل إن كثيرين رأوا في الصورة سقوطاً رمزياً في لحظة كان يمكن فيها الاكتفاء بالتحفظ أو الحياد.

والأدهى من ذلك، أن رمزية “اللايك” في الثقافة العراقية والإيرانية، وحتى في بعض الثقافات الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا، ليست مجرد حركة عفوية، فهي تُقارن في بعض الأوساط بحركة مستهجنة، وتُعتبر نوعاً من الاستخفاف بالذوق العام، لذلك تحولت لقطة “اللايك” إلى فضيحة رمزية تختصر مأزق السوداني بين ما يريد تسويقه في الخارج، وما يتلقاه الجمهور في الداخل من إشارات ضعف أو تنازل.

إن السوداني، الذي بنى صورته على التوازن بين الشرق والغرب، يجد نفسه اليوم أمام امتحان أخلاقي وسياسي في آنٍ واحد، بين أن يختار البقاء في المسار الوطني، الذي يحفظ استقلال القرار العراقي، أو ينجرف وراء بريق المؤتمرات الدولية، التي لا تمنح سوى الصور والابتسامات المجانية، فالعراق، الذي يمر بمرحلة استعادة هيبته الإقليمية، لا يحتاج إلى رئيس وزراء يلهث وراء المؤتمرات، بل إلى قائد يقرأ التوقيت السياسي جيداً ويعرف متى يصمت ومتى يتكلم.

الموازنة بين الداخل والخارج

إن قمة شرم الشيخ، التي لوّح الرئيس التركي احتجاجاً بالانسحاب منها حال مشاركة نتنياهو، كان يمكن أن تمنح السوداني فرصة لتأكيد استقلال موقف بغداد، لكنه اختار التواري وراء أردوغان، وترك الباب مفتوحاً أمام التأويلات، مكتفياً بالقول إنه سينسحب أيضاً “في حال” مشاركة نتنياهو، وهو موقف “تبعي” يوحي بعدم القدرة على ابتكار موقف خاص بالعراق، بل بدا وكأنه يستعير قراراته من الآخرين؛ يقلّد أردوغان في المواقف، ويجاري ترامب في الإشارات، ليظهر العراق وكأنه يتحرك بردّات فعل لا برؤية سيادية نابعة من ذاته.

وفي نهاية المشهد، تبقى السياسة العراقية في زمن الانتخابات حبلى بالتناقضات، فكل صورة، وكل تصريح، وكل “لايك” محسوب بدقة، لأن الشارع العراقي أصبح أكثر وعياً من أن يُخدع بمظاهر الدبلوماسية الكاذبة، والسوداني، وهو يعيش آخر أيام ولايته، يبدو وكأنه يطارد ظله في سباق مع الزمن، فيما كابوس السادات يلاحق كل من يجرّب التطبيع، حتى وإن كان بلفتة يد على شكل “لايك مجاني” من طينة لايكات السوشيال ميديا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *