التقديم االستراتيجي :اإلطار المفهومي والبيئة الحاكمة:
يشكل تاريخ 30أيلول/سبتمبر نقطة تحول مفصلية في البيئة السياسية واألمنية للعراق؛ ليس فقط بكونه تاريخاً إجرائياً يتعلق بترتيبات وجود “التحالف الدولي” والتواجد األمريكي ،بل لكونه لحظة فارقة في إعادة تعريف مفهوم السادة واالستقرار.
وفق المقاربات األكاديمية للتحليل السياسي ،فإن العراق يمر بـ “مرحلة إعادة التوازن االستراتيجي”(Realignment Strategic )حيث تتداخل ثالثة عوامل رئيسية:
1_البيئة اإلقليمية المتحولة :التأثيرات المباشرة والتداعيات الناتجة عن الصراعات في غزة ولبنان والهجمات المتبادلة في اإلقليم ومن ضمنها سوريا.
2_التحول الإداري والسياسي المحلي :رغبة مؤسسات الدولة العراقية في احتكار السالح والقرار االستراتيجي ،مقابل إصرار فصائل المقاومة على محورية دورها كـ “درع زاجر” لإلقليم والعراق.
3_الديناميكية الأمريكية :التحول من مرحلة القتال المباشر إلى الشراكة األمنية الثنائية، ومحاولة إدارة النفوذ بصيغ أمنية واستخباراتية أقل استفزازاً ،وأكثر عمقاً.
المعالجة التاريخية :الجذور والمسارات المتشابكة:
لتفكيك المستقبل ، لا بد من قراءة المسار التاريخي لنشوء وتطور المقاومة العراقية عبر ثالث محطات أساسية:
مرحلة التأسيس والصدمة 2011 – 2003:
تشكلت المقاومة كرد فعل تلقائي ثم منظم ضد االحتالل األمريكي المباشر ،واعتمدت عقيدة “حرب العصابات غير المتكافئة” Asymmetric Warfareانتهت هذه المرحلة باالانسحاب االأمريكي عام ،2011مما خلق انطباعاً باستكمال الهدف التأسيسي.
مرحلة “داعش” والشرعنة المؤسسية 2017 – 2014 :
أعادت أزمة “داعش” هندسة المشهد .حيث تحولت قوة المقاومة من التشكيالت غير النظامية إلى كيانات تمتلك شرعية شعبية وقانونية عبر “فتوى الجهاد الكفائي” ثم صدور قانون “هيئة الحشد الشعبي” عام ،2016هذه المرحلة دمجت بين “شرعنة الدولة” و”استقاللية القرار العقدي”.
مرحلة ما بعد السليماني وتدويل الجبهات 2026 – 2020:
اتسمت هذه المرحلة بإنشاء “وحدة الساحات” ومحاولة تدويل الردع .اصطدمت هذه االستراتيجية بتحوالت إقليمية حادة، وضغوط سياسية داخلية تطالب بإبعاد العراق عن جبهات المواجهة الشاملة.
.التحليل الأكاديمي والنظري لعوامل التفسير:
يمكن تحليل مستقبل المقاومة في العراق بعد 30أيلول عبر ثالث نظريات استراتيجية:
أ .نظرية الواقعية النفعية Neorealism:
تفسر السلوك األمريكي والعراقي بأن كل طرف يسعى لتعظيم مكاسبه وأمنه بأقل التكاليف.
أمريكا تدرك أن البقاء العسكري المباشر بات مكلفاً سياسياً ،فتسعى للتراجع خطوة للخلف عبر اتفاقيات ثنائية ،ومن ثم صناعة الفوضى التى أطرافها جاهزين ،وتحويل الصراع أما صراع داخلي داخلى عراقي وتحويلها لحرب أهلية ومن ثم عودة شرعية وتحكم في البترول عن طريق إعطاء الحرب فرصة بين الفصائل وتكون سالحه موجه لبعضهم البعض وليس على القوات األمريكية إنما تكسب سياسيا من إدار الفوضى ،وأما صراع إقليمي ما بين دولة سوريا الجديد وتكون بيد أمريكا لضغط على الفصائل العراقية وتحييدها أو إشغالها بعيدا عن إيران ،إذا أرادت أمريكا شن حرب شاملة ونهائية على إيران ،فتكون الفصائل في معركتها مع سوريا باسم سنة وشيعة ،وتدير الصراع أمريكا، فأمريكا تريد إفراغ المنطقة من جنودها حتى تشتعل عقد الصراع ما بين العرب أو ما بين سني سني أو شيعي شيعي أو سني شيعي ،ومن ثم تدير الصراع وإدارة الفوضى ولا تعمل على حل الأزمة، فانسحابها أراه فخ أو إدارة الأمن الإقليمي سياسيا عبر فوضى الصراع والتشاحنات.
” تستند هذه القراءة ورؤيتي إلى إحدى أهم نصوص النظرية االستراتيجية في العالقات الدولية ،وهي “إدارة الفوضى الخالقة” Managed Chaosواستراتيجية “قيادة الخلف” Leading from Behindعبر أسلوب “نقل العبء” Offshoring / Buck-passing؛
حيث تحول واشنطن استراتيجيتها من الاستنزاف المباشر لقواتها إلى استنزاف الخصوم ببعضهم البعضُ .تدرك واشنطن أن كلفة الوجود العسكري المباشر باتت باهظة سياسياً وعملياتياً ،مما يدفعها لتبني استراتيجية “الانسحاب التكتيكي وإدارة الفوضى عن بعد”؛ عبر تحويل الإستحقاق الأمني من مواجهة مباشرة مع القوات الأمريكية إلى استنزاف داخلي وإقليمي مراكب .فمن جهة ،تسعى الولایات المتحدة عبر االتفاقيات الثنائية إلى إعادة هندسة البيئة المحلية لتأطير صراع “عراقي-عراقي” أو “شيعي-شيعي” يشغل الفصائل بسلاحها ويضمن الهيمنة الأمريكية على موارد الطاقة .ومن جهة أخرى ،تعمل على هندسة معادلة جيوسياسية ضاغطة عبر التخوم السورية لربط الفصائل بمواجهات إقليمية وطائفية عابرة للحدود ،بهدف تحييدها وتفكيك عمقها االستراتيجي قبالة إيران كتمهيد إلي استحقاق شامل ضد طهران .وبذلك يتبدى “الانسحاب الأمريكي” ليس كمؤشر للإنكفاء ،بل كفخ استراتيجي يفرغ المنطقة من الجسد العسكري المباشر ليشعل خطوط التماس العرقية والطائفية، متحولاً من أسلوب “الحسم والأمن المباشر” إلى أسلوب “إدارة الصراع الدائم بالوكالة” وإدامة النفوذ عبر الفوضى المدارة.
فصائل المقاومة :تدرك أن التراجع األمريكي الشكلي قد يكون “إعادة انتشار
استخباري” ،مما يدفعها لالحتفاظ بسالحها كعنصر توازن منعاً ألي استفراد بالدولة أو اإلقليم ،وهو عامل غياب الثقة بين افصائل وأمريكا ،وغياب هذه الثقة يجعل الفصائل ال تتخلى عن الدولة وال تثق في الدولة وال أمريكا بل ترى هذا االنسحاب مجرد تغير تيكتيكي لهدف غير معلن.
ب .نظرية الهوية والشرعية Institutionalism & Constructivism:
هناك صراع على “المعنى”:
- الدولة العراقية تسعى للوصول إلى “احتكار العنف المشروع” ( Max Weber’s
Monopolization of Violence)
- المقاومة ترى نفسها كياناً يعبر عن “أيديولوجيا عابرة للحدود” وعقيدة أمنية شمولية ال
يمكن تأطيرها بالحدود الوطنية الضيقة ،مما يخلق حالة من “السيادة المزدوجة” ( Dual Sovereignty)
وبناء على ما سبق أستطيع أبني رؤية استشرافية مكونة من ثالث مسارات وبنسب محدد وهي:
المسارات والسيناريوهات االستشرافية لمستقبل المقاومة:
استناداً للتحليل السابق ،يتشكل مستقبل المقاومة بعد 30أيلول عبر ثالثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول ” المأسسة الكاملة :التكيف االستراتيجي وإعادة توزيع الأدوار (الرجحان)%55 :
المضمون :تتفق الفصائل والحكومة على صيغة مرنة؛ تخفيف حدة الهجمات المباشرة
ضد التواجد لأمريكي مقابل الانسحاب التدريجي للتحالف ،مع االحتفاظ بـ “السلاح التكتيكي الزاجر” بعيداً عن أضواء الإعلام.
النتيجة :تحول الفصائل إلى قوة حماية إقليمية “كامنة” (Lurking Force تتدخل فقط عند استهداف الأراضي العراقية أو في حال اندلاع حرب إقليمية شاملة تُهدد الإقليم.
السيناريو الثاني ” التكيف الاستراتيجي” :االانخراط الكامل في مؤسسات الدولة (الرجحان)%30 :
المضمون :نجاح الضغوط السياسية والوساطات في دمج العضل العسكري للفصائل
داخل الأجهزة الأمنية الرسمية (الجيش ،الشرطة ،الحشد) بالكامل ،مع تقليم أظافر القرار المستقل.
النتیجة: تراجع المفهوم التقليدي لـ “المقاومة” لصالح مفهوم “الدفاع الوطني” ،وتفرغ الكيانات السياسية التابعة لها للعمل الحزبي والاقتصادي.
السيناريو الثالث ” المواجهة والصدام” :التصعيد واالنكشاف المباشر (الرجحان)%15 :
المضمون :تعثر محادثات االنسحاب األمريكي أو قيام إسرائيل/أمريكا بضربات
استباقية واسعة ضد القادة والبنى التحتية للفصائل داخل العراق.
النتيجة :انهيار الهدنة السياسية الداخلية ،وعودة العراق كمسرح مفتوح ومباشر للحروب بالوكالة واألصالة ،مما يضع استقرار الحكومة على المحك.
الخالصة والرؤية التقييمية:
إن مرحلة ما بعد 30أيلول لن تكون نهاية لدور المقاومة في العراق ،بل هي مرحلة الانتقال من الفاعلية المباشرة إلى الفاعلية المركبة.
سيتحول دور المقاومة من “الصدام اليومي” إلى “الردع الهيكلي”؛ حيث ستظل هذه القوى حاضرة بقوة في رسم حدود السياسة الخارجية والأمنية للعراق ،مانعة أي تحول في موضع بغداد الاستراتيجي بعيداً عن محور الرفض الإقليمي ،ومعززًة تواجدها في مكامن القرار السياسي واالإقتصادي للدولة العراقية.
الموضع الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط ” العراق نموذجا”:
تُمّثل نقطة التحول الهيكلية والمتمثلة في إعادة موضع وتكيف المقاومة العراقية بعد محطة 30أيلول هزة عميقة للسياسة الخارجية والأمنية الأمريكية؛ إذ أدى هذا التكيف إلى إعادة رسم خريطة التوازنات في المشرق العربي مجبراًر واشنطن على مراجعة عقيدتها التشغيلية وديناميكيات حضورها الإستراتيجي.
أولاً :التحول في البيئة الستراتيجية الشاملة لواشنطن:
1.انكسار نموذج “الردع المرن” وعجز أداة الضغط المباشر:
تعتمد الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة تاريخياً على معادلة “الردع المرن” عبر القواعد العسكرية الثابتة والضربات التكتيكية المحدودة .أظهر إعادة تموضع المقاومة العراقية — من خلال الانتقال إلى المأسسة الذكية وتحصين قدراتها التكنولوجية والقيادية — أن أدوات الردع الأمريكية التقليدية أصبحت مكلفة وغير فعالة:
التكلفة العالية للوجود المباشر :أصبحت القواعد الأمريكية نقاط ضعف جيوسياسية وهدفاً سهل المنال لأسلحة الرشاقة الردعية (كالطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة) ،مما رفع تكلفة الحفاظ عليها مقابل عائد أمني وسياسي متراجع.
حياد استراتيجية “العقوبات والصدمات” :نجحت الفصائل في تطوير اقتصاديات موازية وتعزيز تموقعها داخل الهياكل الحكومية ،مما قلل من أثر العقوبات الاقتصادية الأمريكية المسلطة على شبكات التمويل.
2.معضلة “الإنكار المزدوج” وفقدان المبادأة:
وجدت االإدارة الأمريكية نفسها أمام معضلة معقدة؛ فالفصائل العراقية باتت تمارس نفوذها عبر أدوات هجينة (سياسية ،أمنية ،واقتصادية) مغلفة بتمثيل رسمي داخل أجهزة الدولة .هذا التداخل جعل أي ضربة أمريكية داخل العراق تحسب كاعتداء على مؤسسات سيادية ،مما يضع واشنطن في مواجهة أزمات دبلوماسية ويفقدها زمام المبادأة. متتالية مع الحكومة العراقية.
ثانياً :الانعكاسات المباشرة على المحاور الاستراتيجية الأمريكية:
1.انقطاع الشريان اللوجستي لشرق الفرات والداخل السوري
يعد العراق الجسر الجغرافي واللوجستي الأساسي لدعم الوجود الأمريكي في شمال وشرق سوريا (منطقة شرق الفرات):
تهديد خطوط الإمداد :إن سيطرة المقاومة العراقية أو قدرتها على التحكم المعنوي والعملياتي بالشريط الحدودي العراقي-السوري يقلص هامش الحركة الأريكية ،ويضع القوات المتواجدة في سوريا في حالة “عزلة عملياتية” شبه كاملة.
تسريع قرار الانسحاب من سوريا :أصبحت المخاطر اللوجستية والأمنية المترتبة على إعادة تموضع الفصائل العوامل الأكثر حسماً في تسريع النقاشات داخل واشنطن بشأن جدوى بقاء القوات الأمريكية في سوريا.
2.تراجع مفهوم “االأحلاف الإقليمية الموازية”:
سعت واشنطن لسنوات إلى بناء هيكلية أمنية إقليمية تربط دول الخليج وإسرائيل ببعض دول المشرق لمواجهة نفوذ محور المقاومة:
تحول العراق — نتيجة ثبات تموضع المقاومة واختراقها لصنع القرار — إلى حائط صد أمام هذا المشروع ،حيث يمنع اندماج بغداد في أي ترتيبات أمنية ذات صبغة أمريكية-إسرائيلية.
إجبار الدول الإقليمية الحليفة لواشنطن على فتح قنوات حوار مباشرة مع بغداد ومع الأطراف الإقليمية الداعمة للمقاومة ،شعوراً منها بقدرة المقاومة على فرض معادلات ميدانية لا تستطيع واشنطن حمايتهم منها بشكل كامل.
ثالثاً :خيارات واشنطن واستجاباتها المستقبلية:
أمام المعطيات الجيوسياسية الجديدة ،تتجه الاستراتيجية الأمريكية نحو تبني نماذج عمل جديدة تعتمد على تقليل الخسائر وإعادة التكيف:
1.االنتقال من “الحضور الصلب” إلى “التمثيل الذكي”:
سحب أو تقليص عدد القوات الميدانية الثابتة وتحويل الوجود إلى مراكز تدريب واستخبارات مغلقة ،مع االعتماد المكثف على الدفاع الجوي التكتيكي والحروب السيبرانية والطائرات المسيرة لحماية المصالح الحيوية.
2.ممارسة “الردع الناعم” عبر الضغط المالي والاقتصادي:
استخدام ملف Dollar Clearing(مقاصة الدوالر) والبنك الفيدرالي الأمريكي كأداة ضغط على الحكومة العراقية للحد من النفوذ المالي للجهات الفاعلة من غير الدولة ،بالرغم من أن هذا الخيار يحمل مخاطر دفع العراق بالكامل نحو التكتالت الاقتصادية الشرقية.
3.التركيز على التوازنات السياسية الداخلية:
محاولة دعم وتغذية التيارات السياسية والمجتمعية التي تنادي بالحفاظ على “سيادة الدولة” وتطبيق حصر السالح ،بهدف خلق بيئة كبح محلية للمقاومة بدلاً من المواجهة الأمريكية المباشرة.
ختام تحليلي استراتيجي”:
أدى إعادة تموضع المقاومة العراقية بعيد 30أيلول إلى إجبار الواليات المتحدة على التخلي عن أوهام الهيمنة المباشرة في المشرق العربي؛ حيث انتقلت واشنطن من وضعية “صانع القواعد واألحداث” إلى وضعية “إدارة المخاطر والتكيف مع الواقع السيادي الجديد” .إن أي استراتيجية أمريكية قادمة ال تأخذ بعين الاعتبار
ترسخ دور الفصائل كفاعل هجين ونافذ في المعادلة العرقية والاقليمية ستكون محكومة بالفشل الميداني والسياسي.


