اعتدنا مع انطلاق الحملات الانتخابية للقوائم المتنافسة ان تلجأ القوى المتنافسة إلى خطابات انتخابية تتضمن الكثير من الوعود التي تحاول من خلالها كسب أصوات الناخبين، في إطار أداء قد يصفه البعض من المراقبين بأنه بات كلاسيكيا، لأن الانتخابات المقبلة هذه المرة مصيرية في الكثير من المجالات، نعم هناك استقرار أمني وسياسي، لكن هذا في الوقت نفسه يزيد الضغوط على ضرورة الوصول إلى حالة من الاستقرار الاقتصادي والذي هو بدرجة كبيرة يلبي مطالب وطموحات الناخب العراقي.
إن انتخابات مجلس النواب للعام 2025 تأتي بعد عدة دورات انتخابية خلال العقدين الماضيين وهو ما يعني أن البيئة السياسية تبدلت إلى حد ما، كما أن البيئة الاجتماعية أيضا شهدت تغييرات ولعل أبسطها زيادة أعداد الناخبين من الشباب، حيث انه في هذه الانتخابات هناك اكثر من 800 ألف ناخب جديد بلغوا سن الـ 18 عاما، وهؤلاء بكل تأكيد يمثلون جيلا جديدا من المواطنين العراقيين الذي يحملون مطالب وآمال مغايرة بنسبة كبيرة عن مطالب وآمال الأجيال التي سبقتها وبالتالي فإن القوائم الانتخابية عليها مراعاة ذلك في برامجها الانتخابية وتجاوز مرحلة الوعود فقط.
إن المطلب الأساسي للناخب العراقي اليوم هو تقديم الخدمات وبناء البلد بما يوفر الحياة الكريمة التي يستحقها المواطن العراقي في بلد يعتبر من البلدان الغنية في المنطقة والعالم، وهو ما يتطلب ان تعمل القوائم المتنافسة على كسب الناخبين بمنجزات ملموسة خاصة وأن أغلب القوى المشاركة في السباق الانتخابي هي متواجدة في العملية السياسية منذ عدة سنوات كما انها يجب ان تقنع الناخب بما قدمته خلال هذه السنوات قبل ان تقدم وعودا بما ستفعله في السنوات المقبلة.
لا يختلف اثنان على أن العراق خلال العمليات الانتخابية الماضية مر بظروف صعبة وتحديات جمة واجهت البلد، فبعد اسقاط نظام البعث المقبور كان ترسيخ النظام السياسي الديمقراطي الجديد هو أبرز مهمة للقوى السياسية، وتلا ذلك محاربة التنظيمات الارهابية (القاعدة بداية وداعش لاحقا) وهو ما أدى إلى تباطؤ واضح في سير عجلة البناء والاعمار والتنمية، لكن اليوم بعد سنوات من القضاء على تنظيم داعش الارهابي واستتباب الأمن وحالة الاستقرار السياسي، فإن من الطبيعي أن تكون البرامج الانتخابية مبنية على خطط واهداف تنموية تعمل على تقديم الخدمات للمواطن العراقي الذي كان طيلة العقدين الماضيين سندا حقيقيا للدولة ولنظامها السياسي الجديد.
في ظل هذا المشهد فإن التنافس الانتخابي اليوم بحاجة إلى خطاب وطني متحد هدفه العمل من أجل بناء البلد وخدمة الناخبين بعيدا عن المصالح السياسية الحزبية والشخصية، وهو ما يعني ضرورة اعتماد سلوكيات دعائية انتخابية جديدة لا تتضمن التسقيط بين القوى السياسية ولا اللجوء إلى صراع انتخابي غايته النيل من الآخر، لأن مجلس النواب هو ممثل للشعب العراقي وهذا يعني ان غالبية القوى السياسية ستجد مكانها تحت قبة البرلمان، على اعتبار انها تمتلك جماهير ومن حق هذه الجماهير ان يكون لها ممثلين في المجلس.
وعي الناخب بدرجة أولى، واجراءات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ومن خلفها القضاء العراقي، ابرز العوامل التي يجب ان تأخذها القوى المتنافسة بعين الاعتبار لترتقي بخطابها الانتخابي وتتجه به نحو المزيد من الجدية والعمل الصادق، لأن الاكتفاء بالوعود قبل الانتخابات والتنصل منها بعد ذلك لن يخدم في الدورات المقبلة، وبإمكان الناخب العراقي وعبر صناديق الاقتراع محاسبة المقصرين وعدم تكرار التجربة مجددا، والآخذ بنصيحة المرجعية الرشيدة القائلة (المجرب لا يجرب)، لأن هذه مسؤولية وطنية تقع على عاتق الناخب وعليه أن يحسن الاختيار إن أراد تلبية مطالبه.
أهمية المرحلة الراهنة والمقبلة والاوضاع المستقرة التي يعيش فيها العراق قياسا بالعديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجعلنا نتأمل بأن تكون هذه الانتخابات تعبيرا حقيقيا عن ارادة الناخب العراقي وان تفرز صناديق الاقتراع برلمانا قادرا على أداء مهامه التشريعية والرقابية بشكل أفضل وان تأتي حكومة جديدة تكمل مسيرة الخدمة وتعمل على بناء العراق بالشكل الذي يليق به، فهي فرصة حقيقية لإكمال بناء البلد.
جريدة الصباح العراقية


