استقال رئيس الوزراء الفرنسي “سباستيان لوكورنو ” بعد يوم واحد من تشكيل حكومته، وأسباب الاستقالة عديدة أهمها عدم الوصول لصيغة توافقية بين المعارضة وأحزاب البرلمان، كما قال الرئيس المستقيل في حديث للإعلام اختتمه بجملة: يجب أن تعمل أحزاب البرلمان على تقديم مصلحة البلاد على الحزب”، واذكر في عام 2008 كنت ضمن وفد سياسي عراقي زار اليابان بدعوة من منظمة جايكا، اشتمل الوفد على أهم الممثلين لأحزاب مجلس النواب العراقي، وعند لقائنا برئيس البرلمان الاتحادي الياباني، تحدث لنا عن أزمة يمرون بها، وهي استقالة رئيس الوزراء ومحاولات البرلمان في ثنيه عن الاستقالة، والسبب أنه لا يستطيع تقديم ما مطلوب منه لخدمة قطاع الصحة والطفل والأسرة، وكذلك خفض الضرائب!
تلك الوقائع والمعلومات تكشف عن البون الشاسع بين نمط تفكيرنا السياسي، وتفكير العالم المتقدم سواءً في الشرق أو الغرب!
وإذ يتمحور الصراع الآن بين كتلة دولة القانون وأحزاب إطارية أخرى، حول منع رئيس كتلة التنمية والإعمار، محمد شياع السوداني من الحصول على دورة رئاسية ثانية، فإن فريق السوداني يبذل أقصى الجهود الإعلامية الترويجية و”الدعاء إلى الله” أيضاً، كي تمضي الأمور نحو الدورة الرئاسية الثانية للرئيس السوداني.
أزمة الاقتصاد: رهان الرئاسة على الموارد
أكيد أن التجربة السياسية في العراق حديثة، ولم تبلغ مستوى النضج السياسي، وتبني المسؤولية الوطنية النامية مع تراكم زمن التجربة، كذلك اختلاف ثقافي عميق بين المجتمع العراقي، وكل من المجتمعين الياباني والفرنسي، هذا من ناحية الانطباعات العامة للمجتمعات وخصائصها، لكن ما يجدر التوقف عنده هنا هو أزمة الذات للسياسي العراقي، ونظرته نحو مركزية القيمة التي تمنحها الرئاسة من زعامة!
الاقتصاد والتنمية كأداة زعامة
رئاسة الوزراء وظيفة ينظر السياسي الفرنسي والياباني وأغلب دول العالم الديمقراطي، وظيفة إذا فشل فيها يعتذر عن الاستمرار فيها، فيقدم على الاستقالة، ويتم تعيين أو تكليف شخص آخر، وهكذا تمضي الأمور بهدوء تام وفق إجراءات إدارية تقليدية!
لكن الرئاسة في العراق هي سلوك زعامة على الأمة والمجتمع. وتمثل امتدادًا نوعيا لشيخ العشيرة، نمط استحدثه صدام حسين، جراء خلل في تكوينه الذاتي، واستمر هذا السلوك حتى يومنا الحاضر، بل صار سلوكا جاذبا ومغريا لعديد من الرؤساء الذين يحالفهم الحظ، أو تأتي بهم الصدفة لموقع الرئاسة!
فالرئيس يمنح الأعطيات والمكرمات، ويرفع من يشاء ويحرم من يكره، ويقرر أوقات الدوام وسعر العملة وخصائص العَلمْ الوطني، ويحوز ما يعجبه من القصور، ويرضيه من الأموال وأنواع السيارات الفارهة والبدلات الأنيقة والملابس الفرنسية أو الإيطالية الفاخرة والعطور الثمينة وغيرها من امتيازات ملوكية، لهذا فإن سلطة أربع سنوات لا تلبي طموحه الشخصي، خصوصا أنه صار يدرك مساحة التحول الهائلة في حياته، وكونه أصبح مركزا للأحداث، واسما تتداوله نشرات الأخبار، فصار يطلب دورة ثانية، أي أربع سنوات ثانية، وعندما تنتهي الأربع سنوات الثانية، يكون قد بلغ اليقين لأهمية بقائه في دورة ثالثة، ورابعة وإلى الأبد!
إنها نزعة الرئيس -شيخ العشيرة الذي يأتي في سلوكه على نحو غير مدرك لدوافعه الدفينة في عمق شخصية، فتتجلى بالظهور بزي شيخ العشيرة، هكذا وجدناها في العديد من صور وفيديوات صدام حسين، واستمرت مع نوري المالكي وعادل عبد المهدي وصولا إلى السوداني، تخلف عن هذا السياق السيد حيدر العبادي كونه شخصية بغدادية وابن طبيب، ومصطفى الكاظمي الذي تواضع لدرجة أسقط المهيبات الزائفة لعناوين الرئاسة في العراق، وحقيقتها الخاضعة لقرارات الموافقة الإيرانية-والقبول الأمريكي، ومزودة بمساومات وصفقات مع “مكونات” سنية وكردية وميليشياوية تمثل أحزاب العراق الحالية!
الرئاسة في العراق ليست وظيفة أو قضية عراقية وطنية، بل هي تجليات العظمة التي يهبها القدر، والقدرة على تحقيق ما يشتهي ويحلم به الرئيس وأفراد أسرته وعشيرته، ومزاج يستمر إرواؤه بفرق الردح والمديح وأسراب الشعراء والمهاويل ومطولات الخطب والتهويل لشيوخ التسعينات، وأطفال المدارس، ودعاء الأمهات في درامات غير متقنة، وتخصيصات تمنح للأدب والسينما والمسرح وإكراميات للكتبة والمحللين السياسيين ومقدمي البرامج المتميزين، يعني سردية طويلة من العطاء المتخطي لقواعد وقوانين عمل الدولة، والعمل وفقه سياق المكرمة والتصفيق!
الرئاسة عندنا في العراق أزمة مجتمع وأشخاص، أزمة وعي وثقافة سياسية، أزمة إدراك لمعنى الوظيفة والراتب المعيشي الذي تتقاضاه عنها!
الرئاسة ليس سؤال التنمية وبناء الدولة، وبرامج استراتيجية للاقتصاد وقواعده وبناه التحتية، وإعداد حديث للقوة العسكرية والتحصين الأمني، كما هي مواكبة لمعدلات التطور الثقافي وخدمات الصحة والنظافة والتعليم وقراءات لمستويات التغذية والمعيشة لطبقات المجتمع وفئاته!
الرئاسة لا يتقبلها المزاج والعقل العراقي بكونها “وظيفة”، بل هي وجود وهبه قدرية حتمية، وتكليف إلهي، كما وصفها مرة إبراهيم الجعفري، برغم أن رئاسته مؤقتة لتسعة أشهر، بتكليف من الاحتلال الأمريكي!
متى نتعلم ونؤمن بأن الرئاسة وظيفة لها شروطها الوظيفية؟ يحدث ذلك عندما نصبح دولة مدنية ديمقراطية حقيقية، وليس سلطات تتصارع وتتقاتل من أجل الرئاسة!


