(1)
في كل موسم انتخابي، يتكرر السؤال ذاته من الأصدقاء والمقربين: “لمن ستصوّت؟”. وكثيرون منهم يترددون في الإجابة، إما خوفاً من الإحراج، أو تهرّباً من الإفصاح عن موقفهم الحقيقي، فيكتفون بجملة عامة: “نحن لها”. لكن بالنسبة لي، التجربة الحياتية والعمل الطويل في خدمة الإنسان بعيداً عن الانتماءات الضيقة والعلاقات الشخصية، جعلاني أنظر إلى هذه المسألة بعيون مختلفة، أكثر مسؤولية وصدقاً.
لقد تعلمت أن التصويت ليس موقفاً عاطفياً، ولا علاقة له بالمحاباة أو القرابة أو الانتماء القبلي الأعمى. بل هو أمانة، وميزان دقيق يجب أن يُوضع في يد من يستحقها. لذلك فإن صوتي قد يكون للقريب جداً، وقد يكون للبعيد عني، وربما أضعه في صندوق إنسان لم أجلس معه يوماً ولم أتحدث معه شخصياً، لكنني اطلعت على سيرته الذاتية، أو تابعت لقاءاته في التلفاز، ووجدت فيه ما يليق بمسؤولية القيادة وخدمة الناس.
صوتي ليس للبيع بل أمانة ومسؤولية
صوتي ينحاز قبل كل شيء للقلم، للفكر، وللكتابة. ينحاز للثقافة الحقيقية التي تُعلي من شأن المعرفة، وتربط الشهادة العلمية بالوعي المجتمعي. لن أعطي صوتي لشخص لا يعرف من الثقافة إلا قشورها، ولا يملك من اللغة العربية سوى بعض العبارات المبعثرة، أو لمن يقف عاجزاً عن فهم التنوع الاجتماعي بين الشيعة والسنة والكورد، وكيفية التعامل مع هذه الفسيفساء من أجل النجاح. لا يمكن أن أضع ثقتي في مرشح لا يعرف سوى حدود قريته أو مدينته، ولم يقدم طوال مسيرته شيئاً يثبت قدرته على خدمة الوطن.
كذلك، لا أصوّت لمن يتلعثم لسانه أمام الكاميرا، أو يقف مرتبكاً وسط أهله وأقربائه، غير قادر على التعبير عن أفكاره. ولا أصوّت لمن جعل من الترشح وسيلة لمكاسب شخصية، بدل أن يكون خدمة عامة. ولا أصوّت لمن غاب عن ناسه من الافعال لسنوات طويلة، ثم عاد فجأة يطرق الأبواب في موسم الانتخابات طمعاً بأصواتهم. إن مثل هؤلاء لا مكان لهم في ضميري ولا في صندوق اقتراعي.
أنا لا أتأثر بالدعاية السطحية، بل بما أعرفه جيداً عن المرشحين: شخصياتهم، علمهم، خبراتهم، ومخزونهم الثقافي والمعرفي. ولأنني صاحب تجربة طويلة، فإنني أدرك تماماً أن العملية الانتخابية صعبة، وأن الاختيار ليس سهلاً. لكنني، رغم كل هذا، أستطيع أن أقول بوضوح: صوتي سيذهب إلى القائمة 275 دون غيرها. أمّا الأسماء التي سأختارها من داخل هذه القائمة، فهي بيني وبين الله وحده.
من يدّعي أنني صوّتُّ لفلان بعينه فهو مخطئ أو منافق. موقفي واضح: صوتي يقوم على ركيزتين أساسيتين: الانتماء من جهة، والفعل وردّ الفعل من جهة أخرى. فالانتماء هنا لا يعني العصبية أو الانغلاق، بل الإيمان بالهوية الكوردستانية الجامعة. أما الفعل وردّ الفعل فهما معيار القدرة على الإنجاز، وتحويل الأقوال إلى أفعال ملموسة في خدمة المجتمع.
المرشح الحقيقي
لقد تعلمت من تجربتي أن المرشح الحقيقي هو الذي يجمع بين العلم والوعي، بين الثقافة والالتزام، وبين الخطاب الرصين والفعل المؤثر. من يملك هذه الصفات من قائمة البارتي، فله صوتي مقدّماً، ومن الآن أقول له مبارك الفوز، لأنني مقتنع أن صوتي لن يذهب هدراً.
في النهاية، الانتخابات ليست ساحة للخصومة أو العداوة، بل فرصة لبناء المؤسسات وتعزيز الانتماء. سيخسر البعض وسيفوز البعض الآخر، وهذا أمر طبيعي في أي عملية ديمقراطية. لكن الأهم أن تبقى بوصلتنا متجهة نحو المصلحة العامة، وأن نضع صوتنا في المكان الصحيح، بعيداً عن العاطفة والضغوط الشخصية.
إنني أؤمن أن الصوت ليس مجرد ورقة تُلقى في صندوق، بل هو شهادة ومسؤولية أمام الله والتاريخ والناس. لذلك، اخترت أن أكون صريحاً: صوتي أمانة، ولن أعطيه إلا لمن يستحق


