في وطنٍ لم تجف فيه بعد دماء الشهداء، ولم تهدأ فيه نيران الحزن في قلوب الأمهات الثكالى والزوجات المكلومات، يعود إلى الواجهة مشهد يثير الغضب ويطرح أسئلة عميقة حول العدالة والكرامة الوطنية. رافع الرفاعي، أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في مرحلة من أخطر مراحل البلاد، يعود إلى أرض الوطن وسط استقبال رسمي وشعبي مهيب، وكأنه أحد رموز السلام أو رجالات الدولة! في حين أن ذاكرة العراقيين، وخصوصاً أهالي الشهداء، لم تنس بعد خطاباته التي كانت مليئة بالتحريض، والتجييش، والطعن بشرعية القوات المسلحة.
استعراض أم مسرحية مكشوفة؟
الاستقبال الذي حُظي به الرفاعي لم يكن مجرد بروتوكول عادي، بل كان استعراضاً فجّاً، مليئاً بالرسائل السلبية لمن ما زالوا يؤمنون بفكرة الدولة ومؤسساتها. إنه مشهد يُشعرك وكأن التضحيات التي قدّمها الآلاف من الجنود والضباط والمواطنين الشرفاء لا وزن لها، وأن كل من حرّض وساهم في إذكاء الفتنة يمكنه اليوم أن يعود بوجه مرفوع دون حساب أو اعتذار.
أي نموذج للعدالة هذا؟ وأي رسالة تُوجَّه للذين ضحوا بأرواحهم كي تبقى هذه الأرض موحدة ومستقرة؟ هل أصبح دم الشهيد مجرد مرحلة نمرّ بها ثم نطويها بلا محاسبة أو احترام؟
ذاكرة الوطن لا تُشترى
رافع الرفاعي لم يكن مجرد رجل دين يحمل رأياً مخالفاً، بل كان من الأصوات العلنية التي وقفت ضد القوات المسلحة، وشكّكت في نواياها، ووصفها بأوصاف تخدم أجندات التقسيم والكراهية. لا يمكن إنكار دوره في التحريض خلال أصعب الفترات التي مرت بها البلاد، حين كانت الدولة تحارب على جبهتين: جبهة الإرهاب، وجبهة الفتنة الطائفية.
ومع ذلك، نراه يعود ويُستقبل وكأنه صاحب فضل، فيما يُطوى سجل الدماء، وتُنسى أصوات الشهداء، ويُطلب من ذويهم الصمت بحجة “المرحلة الجديدة” أو “المصالحة الوطنية”.
نعم للمصالحة.. ولكن لا على حساب الشهداء
إن أي حديث عن مصالحة وطنية يجب أن يُبنى على أسس العدالة والمحاسبة أولاً. المصالحة لا تعني نسيان الجرائم، ولا تجاوز التحريض، ولا التغاضي عن الآلام التي تسببت بها خطابات الكراهية. بل تعني اعترافاً بالخطأ، واعتذاراً صريحاً، وموقفاً واضحاً ممن تورطوا في إذكاء الانقسام.
أما ما نراه اليوم، فهو ليس مصالحة، بل مكافأة على التحريض، وتكريم لمن ساهم في تعميق الجراح. إنها ليست خطوة نحو الوحدة، بل استهانة صريحة بذاكرة شعب بأكمله.
الكلمة الأخيرة… صوت لا يجب أن يصمت
إن عودة من حرّض على القوات المسلحة بلا محاسبة، ليست مجرد حادثة عابرة، بل إهانة موصوفة لذاكرة وطن بأكمله.
إنها صفعة على وجه العدالة، واستهزاء صارخ بمن قدّموا أرواحهم من أجل بقاء هذا البلد موحداً وآمناً.
هذا المشهد لا يجب أن يُقابل بالصمت.
الصمت هنا ليس حياداً، بل تواطؤ غير مباشر مع محو الحقيقة.
إن دم الشهداء ليس ماضٍ يُطوى، بل هو عهد في أعناقنا، مسؤولية لا تسقط بالتقادم، وحق لا يُنسى مع الوقت.
كل من يبرر هذا المشهد، أو يلتزم الصمت تجاهه، إنما يشارك في شرعنة العبث، ويطعن الوطن في قلبه.
ومن يسكت اليوم، سيتحمل غداً عار التخلي عن كرامة الشهداء.
فالتاريخ لا يرحم، والعدالة لا تُشترى، والدم لا يُمحى بالتصفيق.


