نساء العراق المبدعات: ذاكرة مجد وهوية وطن

نساء العراق المبدعات: ذاكرة مجد وهوية وطن
منذ الحضارات الأولى، شكّلت المرأة العراقية ركيزة للثقافة والعلم والسياسة، من ليلى العطار وزها حديد إلى نزهة الدليمي ونازك الملائكة، مؤكدة أن العراق وطن يُبنى بعطاء نسائه كما برجاله، وأن حضارته لا تنفصل عن إبداع المرأة....

منذ فجر الحضارات السومرية والبابلية والآشورية، كانت المرأة العراقية شريكًا أساسيًا في صناعة التاريخ والثقافة والمعرفة. وعلى امتداد العصور، لم تكن المرأة في العراق مجرد تابع أو ظلّ للرجل، بل كانت رائدة في مجالات الفنون والطب والأدب والسياسة والتعليم. ولعلّ تاريخنا المعاصر يحمل أسماءً مبدعة صنعت مجدًا لا يقل عن أسلافهنّ في بلاد الرافدين.

من ليلى العطار، الفنانة التشكيلية التي ارتقت بالفن العراقي إلى العالمية، ودفعت حياتها ثمنًا لإبداعها إثر قصف منزلها في بغداد عام 1993، إلى زها حديد، المعمارية التي كسرت القوالب التقليدية للعمارة وأعادت صياغة معمار العالم بجرأتها وحداثتها، مؤكدة أن عبقرية المرأة العراقية قادرة على فرض حضورها في أرقى المحافل الدولية.

كانت آن ستين أول طبيبة عراقية تمثل رمزية اقتحام النساء للمجال الطبي في بدايات القرن العشرين، فمهّدت الطريق لأجيال كاملة من الطبيبات والمعلمات والباحثات. كما برزت أسماء أخرى في الطب والعلوم، مثل د. مها خير الله في بحوث الطب البايولوجي، ود. أمينة الرحال أول أستاذة جامعية في كلية الحقوق ببغداد.

حين تولّت نزهة الدليمي منصب وزيرة البلديات عام 1959، أصبحت أول وزيرة في العالم العربي، ما جسّد ريادة المرأة العراقية في العمل السياسي والقرار الإداري. ورغم تعاقب الأنظمة والظروف الصعبة، واصلت النساء العراقيات الانخراط في الشأن العام، سواء عبر البرلمان أو مؤسسات المجتمع المدني.

لمع اسم لميعة عباس عمارة، الشاعرة المبدعة التي جسّدت بجرأة صوت المرأة الحرة في شعرها، وعاتكة الخزرجي التي أبدعت في الشعر الكلاسيكي وحملت لواء الثقافة العربية، ونازك الملائكة التي أحدثت ثورة في الشعر العربي الحديث عبر قصيدتها “الكوليرا” فكانت أول من أسس مدرسة الشعر الحر.

كما برزت كاتبات وأديبات مثل بتول الخضيري وانتصار العبيدي وهدية حسين اللواتي كتبن عن الوجع العراقي والهوية الممزقة بروح سردية إنسانية عميقة.

لم تكن المبدعات العراقيات حاضرات فقط في الفنون والسياسة والطب والأدب، بل في ميادين الحياة اليومية أيضًا. نذكر بدرية العلي، أول امرأة في البصرة تقود سيارة، متحدية الأعراف السائدة آنذاك. كما لعبت نساء العراق أدوارًا محورية في العمل التربوي، الصحافة، الرياضة، المسرح، والفنون الشعبية، مثبتات أنهنّ جزء لا يتجزأ من هوية العراق الحديثة.

نساء العراق المبدعات لسن مجرد أسماء في ذاكرة التاريخ، بل هنّ شواهد حيّة على قدرة المرأة العراقية على تخطي العوائق وصناعة الإنجاز رغم الحروب والحصار والاحتلال. إنهنّ ذاكرة مجد وهوية وطن، يثبتن للعالم أن العراق ليس فقط أرض النفط والحروب، بل أرض الثقافة والحضارة التي تنهض على جناحي نسائه ورجاله معًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *