رسوم تسجيل طلبة الجامعات بين النص الدستوري وقرارات وزارة التعليم
أثارت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جدلاً واسعاً بعد فرضها ما يسمى “رسوم تسجيل” أو “رسوم استحصال النتائج” (برنامج تسجيل الطلبة والنتائج الرئيسي في العراق هو تطبيق HEPIQ (منصة التعليم العالي) على طلبة الجامعات الرسمية.
هذه الخطوة، رغم تبريراتها المالية والإدارية، اصطدمت مباشرة بالنص الدستوري الذي ينص بوضوح على مجانية التعليم في جميع مراحله، ما جعل الشارع والوسط الأكاديمي في حالة انقسام بين من يراها محاولة لتغطية نفقات متزايدة، ومن يصفها بخرق صريح للدستور.
الدستور أولاً
المادة (34) من الدستور العراقي لسنة 2005 تقول بوضوح: “التعليم مجاني في جميع مراحله.” هذه العبارة لا تترك مساحة كبيرة للاجتهاد أو التأويل. أي رسوم إلزامية تُفرض على الطالب، سواء عند التسجيل أو عند استلام النتائج، يمكن اعتبارها مخالفة دستورية، خصوصاً إذا لم تكن مستندة إلى قانون صادر من مجلس النواب.
قانونية القرار
القوانين النافذة التي تنظم عمل وزارة التعليم العالي لم تمنحها صلاحية فرض رسوم إلزامية على طلبة التعليم الصباحي. وبالتالي، فإن هذه القرارات لا تعدو كونها “اجتهاداً إدارياً” خارج صلاحيات الوزارة. وفي القانون الإداري، أي التزام مالي يجب أن يصدر بقانون، لا بتعليمات. وهذا يفتح الباب أمام الطعن القضائي ضد هذه الإجراءات أمام المحكمة الإدارية.
البعد الاجتماعي
تأثير القرار لا يتوقف عند الإطار الدستوري والقانوني، بل يمتد إلى المجتمع مباشرة:
- الطلبة الفقراء: يشكلون الفئة الأكثر تضرراً، حيث تتحول الرسوم إلى عائق إضافي لاستمرارهم بالدراسة.
- تكافؤ الفرص: الرسوم قد تخلق فجوة بين طلبة قادرين على الدفع وآخرين يواجهون صعوبة، وهو ما يتعارض مع مبدأ العدالة الاجتماعية.
- الثقة بالمؤسسات: عندما يرى المواطن أن الدولة تتراجع عن التزاماتها الدستورية، تتراجع الثقة بالعملية التعليمية والجهات المسؤولة عنها.
بين الحاجة المالية والالتزام الدستوري
تُبرر الوزارة فرض الرسوم بأنها تأتي لتغطية نفقات تشغيلية وخدمات جامعية، لكن السؤال الجوهري هو: هل يحق للإدارة معالجة مشاكل التمويل بخرق الدستور؟
هناك بدائل عديدة يمكن اللجوء إليها مثل تفعيل صناديق دعم التعليم، عقد شراكات مع القطاع الخاص، أو معالجة الهدر المالي داخل الجامعات، بدلاً من تحميل الطالب عبئاً لا يُفترض أن يتحمله دستورياً.
يجب أن تدرك الوزارة أن فرض الرسوم بهذه الطريقة يشكل ضغطاً اقتصادياً مباشرًا على الأسرة العراقية ويهدد استمرار الطلاب في الدراسة، ما قد يؤدي إلى تزايد التسرب الأكاديمي ويؤثر سلباً على مستقبل الشباب والبلاد ككل. هذه الخطوة ليست مجرد مسألة مالية بل قضية أخلاقية واجتماعية تُقاس نتائجها بالأجيال القادمة
فرض رسوم تسجيل على طلبة الجامعات الرسمية في العراق ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل قضية دستورية واجتماعية تمس جوهر الحق في التعليم. وإذا لم تتم مراجعة القرار ضمن إطار قانوني واضح، فإن التداعيات قد تمتد من قاعات الجامعات إلى الشارع العام، حيث يتحول الغضب الطلابي إلى قضية رأي عام تطعن بشرعية السياسات الحكومية في قطاع يعدّ العمود الفقري لمستقبل البلاد.


