ما بعد كورونا فايروس ذهني لمقاطعة الانتخابات

ما بعد كورونا فايروس ذهني لمقاطعة الانتخابات
أكبر تهديد للديمقراطية العراقية ليس العنف فقط بل دعوات المقاطعة. الامتناع يترك الساحة للفاسدين، بينما المشاركة بالصناديق هي الطريق الوحيد للتغيير السلمي وبناء دولة المؤسسات. الديمقراطية تُبنى بالصبر والوعي والمشاركة، لا بالانقلابات ولا بالشعارات الفارغة....

أشد ما يهدد التجربة الديمقراطية العراقية ليس العنف وحده، بل دعوات المقاطعة، التي يتبجح بها “المؤثرون” على السوشيال ميديا

لم يعد خافياً أن أكثر من يتحدث عن “عجز” الديمقراطية في العراق هم أنفسهم من وقفوا وراء دعوات الانقلاب والتدخل الخارجي، وهؤلاء الذين نراهم على شاشات الفضائيات أو صفحات “الفيسبوك”، كانوا في تشرين 2019 أول من هلّل ودعا الفريق عبد الوهاب الساعدي للاستيلاء على السلطة، وأي وقاحة أكبر من أن تدّعي الحرص على الديمقراطية بيد، وتصفق للعسكر باليد الأخرى؟

ولهذا من المضحك أن هؤلاء “المحللين” و”المعارضين” يفتحون النار على بغداد، حيث تعج الساحات بالآراء والانتقادات والصحف والقنوات والأحزاب، لكنهم يبلعون ألسنتهم أمام أربيل ! ويختفي صوتهم حين يُمنع أي حزب خارج عباءة العائلة البارزانية؟ ويتلاشى صراخهم حين تُكمم الأفواه ويُمنع الاحتجاج في كردستان، أليست هذه دكتاتورية صارخة؟ أم أن “جرأة” هؤلاء لا تنطبق إلا على بغداد الاتحادية، حيث لا أحد يطرق باب بيوتهم ليلاً؟

المسار الديمقراطي العراقي والتهديدات الداخلية

وبغض النظر عن كل شيء، العراق بدأ مساره الديمقراطي قبل 20 عاماً فقط، ولهذا من يطالب أن يكون العراق كفرنسا أو بريطانيا خلال عقدين، كمن يطالب طفلاً في الابتدائية أن يكتب أطروحة دكتوراه، حيث إن فرنسا احتاجت 300 سنة لتستقر، وبريطانيا 500 سنة من الإصلاحات، فلماذا يُراد للعراق أن يُحاكم بميزان معايير لم تبلغها أمم إلا بعد قرون من التجارب الدموية؟

ولنتكلم بصراحة: كثير ممن يسمّون أنفسهم “معارضة ديمقراطية” هم مجرد سماسرة يعيشون على فتات منظمات المجتمع المدني، وجوه مأجورة تتنقل بين السفارات والفنادق، لا مشروع لديها سوى شتم بغداد وتجميل أربيل، وهؤلاء لم يعيشوا يوماً تجربة ديمقراطية، بل عاشوا على هامشها، يتسولون المانح الغربي ويبيعون الوهم للشعب العراقي.

وأشد ما يهدد التجربة الديمقراطية العراقية ليس العنف وحده، بل دعوات المقاطعة، التي يتبجح بها “المؤثرون” على السوشيال ميديا، باعتبار أن المقاطعة ليست موقفاً ثورياً بل خيانة للتجربة، بل وطعناً في خاصرة الديمقراطية، ومن يقاطع الانتخابات هو أول عدو لبناء الوعي الديمقراطي، لأنه يدعو الناس إلى ترك الساحة فارغة ليتحكم بها المال السياسي والفساد.

إن المشاركة في الانتخابات تمثل جوهر العملية الديمقراطية، فهي الوسيلة الوحيدة لتغيير موازين القوى عبر الصناديق لا عبر الشارع أو السلاح. إن ترك صناديق الاقتراع فارغة يفتح الباب أمام الفاسدين لتجديد سلطتهم بلا رقيب، بينما التصويت الواسع يمنح الشرعية للقوى الإصلاحية ويعيد الأمل في بناء دولة مؤسسات حقيقية. لذلك فإن الانتخابات ليست مجرد إجراء شكلي، بل اختبار وطني لإرادة الشعب وحرصه على مستقبل أجياله.

خاتمة:

وفي الختام .. الديمقراطية في العراق لا تُبنى بالصراخ ولا بالتسقيط ولا بالتوسل للعسكر أو بقوى الخارج، وإنما تبنى بالصبر، بالمشاركة، بالوعي، ومن يريد أن يلعب دور “المعارض الكبير” فليتذكر أن العراق اليوم اختار دستوره وصناديقه، ولن يعود إلى زمن الانقلابات، وأما الزعاطيط الذين يتاجرون بالشعارات، فلن يبقى لهم سوى التهريج على شاشات رخيصة وصفحات مأجورة، فيما يكتب الشعب العراقي تجربته بنفسه، رغم كل العواصف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *