البعد الإقليمي والمحلي: صراع داخلي تحت عين الخارج
الاشتباكات المسلحة في السليمانية وقبلها في أربيل تكشف أن إقليم كردستان يمر بمرحلة حرجة، حيث تتقاطع الولاءات الحزبية والعشائرية مع هشاشة المؤسسات الرسمية.
كما ان الاعتقالات الأخيرة لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل مؤشرات على أزمة أعمق تهدد الاستقرار الداخلي وتفتح الباب أمام تدخلات خارجية.
• البعد الأمني: توترات الطائرات المسيرة
خلال التوترات الأخيرة، رصدت تحركات بطائرات مسيّرة في مناطق شمال العراق القريبة من السليمانية، وخصوصا قرب مقر إقامة بافل طالباني في دباشان.
ورغم أن هذه الطائرات لم تستخدم بشكل مباشر في عملية اعتقال لاهور شيخ جنكي، إلا أنها أثارت قلقا أمنيا.
مصدر أمني كردي قال لوسائل الاعلام، أن وجود طائرات مسيرة في سماء السليمانية يبعث رسالة واضحة بأن بعض القوى الكردية باتت تمتلك تقنيات متقدمة تفوق قدرات الأجهزة الرسمية، وهو ما يضيف بعدا جديدا للصراع.
•من شاسوار إلى لاهور: القضاء والسياسة وجها لوجه
في 13 آب/أغسطس 2025، أوقفت شرطة السليمانية شاسوار عبد الواحد بموجب مذكرة قضائية مرتبطة بقضايا مختلفة.
ورغم تأكيد السلطات على الطابع القانوني للعملية، اعتبرتها حركة الجيل الجديد “اعتقالا سياسيا”.
بعد أيام، جاء تطور أكثر خطورة في 22 آب/أغسطس، عندما حاصرت قوات محلية مقر إقامة لاهور شيخ جنكي في فندق “لاله زار”.
اشتباكات عنيفة اندلعت وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، مسؤولين أمنيين في السليمانية أكدوا لوسائل الاعلام، أن العملية كانت لتنفيذ أوامر قضائية، لكن رد الفعل المسلح حوّلها إلى مواجهة دامية.
• نزاع عشائري في أربيل يتحول إلى معركة في خبات
في 9 تموز/يوليو الماضي، اندلع نزاع عشائري في قضاء خبات قرب أربيل حول أراضٍ زراعية، سرعان ما تحول إلى مواجهة مسلحة بين قوات أمنية وأفراد من عشيرة الهركي.
وقال قائم مقام خبات في بيان رسمي ان”النزاع كان يمكن أن يحل عبر القضاء، لكن تدخل السلاح جعلنا أمام أزمة هددت السلم الأهلي”.
•خلفيات الأزمة: نفوذ وولاءات فوق المؤسسات
العلاقة المتوترة بين بافل طالباني ولاهور شيخ جنكي تتجاوز الخلاف السياسي إلى نزاع على النفوذ الأمني والمصادر المالية في السليمانية.
أما اعتقال شاسوار عبد الواحد، فقد فتح نقاشا واسعا حول استقلالية القضاء.
الصحافة الكردية نقلت انقسام الشارع في السليمانية حول هذه الاحداث حيث ان قسم يرى الاعتقالات ضرورية لإعادة هيبة القانون، وقسم آخر يصفها بتصفية حسابات سياسية”.
• البعد الإقليمي: عين الخارج على الشمال
إيران وفصائل المقاومة تتابع التطورات عن قرب، مسؤول سياسي في بغداد قال: “إيران حريصة على أن تبقى السليمانية مستقرة، لأن أي انفلات هناك سينعكس على أمن الحدود الشرقية للعراق”.
في المقابل، تعمل تركيا على استغلال الانقسامات لتوسيع نفوذها في أربيل، تقارير إعلامية تركية وصفت اعتقال لاهور شيخ جنكي بأنه “خطوة لتطهير الساحة الكردية من العناصر غير المرغوبة”، وهو خطاب ينسجم مع مصالح أنقرة في إضعاف السليمانية.
أما إسرائيل، فتتابع بهدوء وتستثمر علاقتها المتينة مع أربيل لإبقاء التوازن لصالحها.
• الاقتصاد في قلب الأزمة
الأحداث الأمنية المتسارعة انعكست على الوضع الاقتصادي، رجال أعمال في أربيل حذّروا من أن “المستثمرين الأجانب بدأوا يجمّدون بعض مشاريعهم بسبب المخاوف الأمنية”.
كما أن تهريب النفط عبر الحدود مع تركيا يشهد ازديادا، ما يفاقم الخلافات مع بغداد ويضعف الرقابة المركزية.
•إلى أين يتجه الإقليم؟
كردستان أمام مفترق طرق حاسم:
– إما المضي ببناء مؤسسات قوية تتجاوز الولاءات الحزبية والعشائرية
– أو الانزلاق إلى فوضى تفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الإقليمية والدولية.
الحكومة المركزية في تعليقها على الأحداث اكدت ان وحدة العراق فوق كل اعتبار، وعلى الجميع أن يحتكموا للقانون والدستور.
وهي رسالة واضحة بأن بغداد لن تقبل أن تتحول الصراعات الداخلية في كردستان إلى عامل يهدد السيادة الوطنية.
الأيام القادمة ستكشف إن كانت هذه الأحداث مقدمة لإعادة ترتيب القوى السياسية في الإقليم، أم مجرد فصل جديد في أزمة مزمنة تعيشها كردستان منذ سنوات.
لكن المؤكد أن ما يجري لم يعد شأنا محليا فقط، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة العراقية على فرض القانون وصون السيادة في مواجهة صراعات الداخل وضغوط الخارج.


