المقدمة
لم يعد ملف سلاح حزب الله يقتصر على كونه قضية داخلية أو جزءًا من النقاشات السياسية المحلية بل بات موضوعًا مطروحًا على الساحة الدولية حيث تتابعه عواصم كبرى وفي مقدمتها واشنطن وتدرجه الحكومة اللبنانية ضمن خططها لتعزيز مؤسسات الدولة المدنية وتنشيط الاقتصاد والسياحة بعد سنوات من الأزمات. وبغض النظر عن التباين في المواقف تجاه هذا السلاح فإن النقاش الدائر يتمحور حول ضرورة تنظيم وحصر القرار العسكري بيد الدولة بما يضمن وحدة الموقف الوطني في قضايا الحرب والسلم ويترك للبنانيين الكلمة النهائية في تحديد المسار الذي يرونه مناسبًا لمستقبل وطنهم. وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية ومع التجارب التي أظهرت أن توازن الردع لا يتحقق فقط عبر قوة الفصائل أو ترسانات السلاح يبرز خيار بناء منظومة دفاع وطنية متكاملة تحت راية الدولة كطريق لتعزيز الاستقرار وحماية السيادة.
* سيناريو الاحداث
*التحالف الثلاثي والمشهد السوري
في ظل القدرات المحدودة للجيش اللبناني يبدو من الصعب تصور قدرته على تنفيذ مهمة نزع سلاح حزب الله منفردًا من دون المخاطرة بالانزلاق إلى مواجهة داخلية واسعة. وفي هذا السياق تبرز طروحات دولية حول إمكانية بلورة تحالف ثلاثي في حال رفض حزب الله تسليم سلاحه يضم الجيش اللبناني ووحدات مدرعة أردنية بإسناد جوي محدود إضافة إلى عناصر قتالية أجنبية اكتسبت خبرتها الميدانية في مناطق الصراع السورية السابقة وتمتاز بقدرتها على خوض معارك خاصة داخل المدن. غير أن طبيعة هذه المجموعات بما تحمله من شراسة قتالية وضعف في الانضباط قد تثير مخاوف من وقوع انتهاكات أو أعمال انتقامية ذات طابع طائفي بحق المدنيين. ويعكس ذلك حجم التشابك بين الملفات السورية واللبنانية ويؤكد أن أي تصعيد ميداني قد يترتب عليه تداعيات إقليمية واسعة سيكون المواطن اللبناني العادي من أبرز المتأثرين بها.
*التداعيات المحتملة
- تصعيد داخلي لبناني: أي مواجهة مباشرة مع حزب الله قد تؤدي إلى توتر داخلي واسع وإعادة حشد القاعدة الشعبية والعسكرية للحزب بما يعيد المشهد إلى أجواء الانقسام الحاد.
- إدخال البعد السوري: مشاركة مقاتلين ذوي خبرة قادمين من الساحة السورية تعني انتقال أنماط وأساليب القتال من مناطق مثل السويداء إلى أحياء بيروت والجنوب وهو ما قد يرفع مخاطر الصدامات الميدانية الحادة والمجازر ضد المدنيين والانزلاقات الطائفية.
- تعاظم الدور الأمريكي: واشنطن قد تضطلع بدور محوري في تنسيق العملية عبر توفير التمويل والمعلومات الاستخباراتية وتنظيم خطوط الإمداد والتسليح بما يجعلها المحرك الأساسي للمشهد.
- رد الفعل الإيراني: من المتوقع أن تتخذ طهران خطوات سياسية أو ميدانية للرد لكن تأثيرها قد يكون محدودًا في المدى القريب نتيجة انشغالها بملفات أخرى وتراجع قدرتها على فتح جبهة جديدة واسعة بسبب احتمالية عودة الحرب.
- الانخراط الأردني: مشاركة وحدات أردنية في المهمة قد تساهم في فرض انضباط ميداني صارم يضمن التزام الأطراف بالقواعد العسكرية والضوابط العملياتية. وسيكون الدور الأردني متركزًا على تأمين المرافق الحيوية للدولة اللبنانية وتقديم الإسناد الجوي والمدرع ضمن مهمة محددة الأهداف تمنع التصعيد الشامل وتبقي القرار العسكري تحت سلطة الدولة اللبنانية.
- الدعم الخليجي: توفير تمويل وتسليح من بعض الدول الخليجية لدعم العملية وإعادة تجهيز وتسليح الجيش اللبناني والسوري والأردني ما يمنحها زخمًا أكبر ويعزز قدرتها على تحقيق أهدافها الميدانية.
*النتائج المحتملة
- حرب طاحنة وخسائر بشرية جسيمة: من المرجح أن تؤدي المواجهة إلى معارك عنيفة تستنزف الأطراف كافة مع تضعضع مؤقت للجبهة الداخلية اللبنانية.
- توازن قوى جديد: بروز الجيش اللبناني كفاعل مركزي في المعادلة الأمنية وإن كان ذلك مرهونًا باستمرار الدعم الخارجي المكثف.
- إعادة رسم الخرائط الأمنية: دخول الجيشين الأردني والسوري – ولو بغطاء محدود – إلى الساحة اللبنانية سيشكّل سابقة قد تعيد تشكيل البنية الأمنية والإستراتيجية للمنطقة على المدى الطويل.
*الاستنتاجات
- البعد الإقليمي للصراع: التطورات المرتقبة في لبنان لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع فهي تمثل فصلًا جديدًا من سلسلة صراعات تمتد من اليمن إلى بغداد ومن دمشق إلى بيروت حيث تتقاطع مصالح دول إقليمية وقوى دولية كبرى.
- تدوير بقايا الحروب السورية: مشاركة الجيش السوري وعناصر مقاتلة من الساحة السورية تكشف عن تحول ما تبقى من القوى والخبرات القتالية هناك إلى أدوات وظيفية تُستثمر في نزاعات أخرى خارج الإطار السوري.
- تعقيد المعادلة الإقليمية: الدعم الأردني والأمريكي والخليجي للجيش اللبناني يمنح أي عملية ميدانية قدرة أكبر على التنفيذ لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى الحساسية السياسية والعسكرية بما يزيد من احتمالات التصعيد على المستوى الإقليمي.
- احتمالية فتح الجبهة العراقية: انخراط الحشد الشعبي كطرف موازٍ في المعادلة قد يضيف بُعدًا جديدًا للصراع ويوسّع دائرته الجغرافية والعملياتية بشكل يصعب التحكم بمآلاته.
- احتمالية دخول الحوثي بشكل غير مباشر: قد ينخرط الحوثيون في المشهد عبر دعم غير مباشر باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة لاستهداف مواقع أو مصالح مرتبطة بالأطراف المنخرطة في الصراع ما يضيف بعدًا جديدًا للتعقيد الإقليمي ويزيد من تشابك مسارح العمليات.
*الخاتمة
يقف لبنان اليوم على مفترق طرق تاريخي بين جيش لبناني مدعوم إقليميًا ودوليًا وحزب يمتلك قاعدة اجتماعية وعسكرية راسخة فيما تشهد الأطراف المحيطة تصاعدًا في نشاط مجموعات مسلحة من الساحة السورية. إن دخول الجيش السوري ومقاتلين أجانب على خط الأزمة قد يوسّع نطاق أي مواجهة محتملة إلى ما يتجاوز الحدود اللبنانية مع احتمال انخراط أطراف إقليمية أخرى مثل الحشد الشعبي العراقي ما يفتح الباب أمام مشهد صراع إقليمي مفتوح تتقاطع فيه خرائط الحرب السورية مع مستقبل الدولة اللبنانية. وفي المحصلة فإن مآلات هذا المسار سواء أفضت إلى تسوية أو تصعيد لن تحدد فقط موقع سلاح حزب الله في المعادلة اللبنانية بل سترسم أيضًا ملامح اسلحة الحشد الشعبي والفصائل المسلحة العراقية والتوازنات السياسية والأمنية في المشرق لسنوات طويلة قادمة.


