ليس المنبر الحسيني أعواد أو مكان محدد بل هو أرقى وأعمق من ذلك يحمل إنسانية العقيدة التي نادى بها وطبقها بعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام متمثلة بقوله: (إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)، المستمد قوتها من الشريعة القرآنية والمرشد النبوي للهداية والمتمثلة بفكر العقيدة وعقيدة الفكر، وبحضور العقول والقلوب.
وبهذا كان الحضور الحسيني، ونور منبره الشاخص منذ الأزل، وامتداداً لمنبر النبوة مروراً بعصر الرسالة الإسلامية وحتى وقتنا الحاضر، ورغم كل الظروف والضغوطات والتضحيات، وما زال وسيبقى صوتا للتنوير وتقويم الأجيال، بالفكر والعقيدة.
منهج المفكر الإسلامي السيد جواد شبر والوائلي و أغائي
ومنطلقاً من هذا المنظور المقتضب، ان تحديد ما هو الأبرز، والإشارة ثلاث إلى نماذج ميدانية عاصرناها، استعراضها إجمالا يكون كما يلي:
١- منهج المرحوم المفكر الإسلامي السيد جواد شبر ، والمتمثل منهجه بمحاور محاضراته وبأطروحات تفاسير الآيات القرآنية والخوض في مضامين الأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة الكرام والخوض في استقراء الآراء المتعددة حتى يُشبع الموضوع بحثاً، وبشكل رائع يحقق إيصال المعلومة إلى أوسع شريحة من المجتمع، وخطوطه على العموم لا تخرج عن الإسلاميات، وهذا لا يعني أنه لا يطرح أفكاراً علمية، والهدف هو بناؤه للفكر العقائدي الواضح وغير المتعصب والمستوعب لكل الأطراف، وبكشف الحقائق وإلقاء الضوء على الوقائع التاريخية الرصينة، وبذلك من شأنه أن يخلق روحوبناء الوحدة الإسلامية – الإنسانية، ومجملها تصب في بودقة التضحية من أجل الإنسانية والقيم السلوكية الرفيعة للمجتمع الإسلامي، والمحققة لها هو تجسيد الصورة الواضحة لواقعة الطف، واقعة النهضة الحسينية السابقة بالفكر، قبل السيف، والناطقة بالعقيدة قبل الأنا، والذائبة فيها كل القوميات، والمستويات العمرية، لتتمثل الإنسانية بكل ما تعنيه من الكلمة، نفسياً وسلوكيا وبأقوم الأفكار المقومة.
– منهج المرحوم الشيخ الدكتور أحمد الوائلي، والمتمثل المنهج بمحاوره الاستقرائية واستحضار الواقعة وامتداداتها بأدوات علمية حديثة، تدعمها العلوم الحديثة، وبتطويعها، وليس إقحامها في خدمة النص القرآني والأحاديث النبوية الشريفة، فترى في خطبته يهتم بمعالجة الأمور بمنظور الدين والدنيا، وبشكل عام مراعيا لكل المستويات الثقافية والعلمية وتطويع العلوم لخدمة النص. وفي هذا الجانب يتخطى الكثير من المتخصصين والعلماء في العلوم الحديثة، الذين قد لا يتمكنوا من هذا الاستيعاب الإنساني المشبع بالموضوعية، رغم ما يحملوا من فكر حديث وعلوم حديثة ومتخصصة، لذا نرى قد يسرح صاحب الاختصاص بأمور عديدة، وقد تخونه الإمكانية للتقوقع على محدودية التخصص لكننا نرى العلامة الشيخ الدكتور الوائلي ، مدرسة وموسوعة في الثقافة والعلوم، حيث يعالج أمور الدين باستيعاب الفقه لكل العلوم، فلذا يشمل أمور الدنيا بتطويع النفس والسلوك بالوعي وفلسفة الأمور، ودعم الإنسان يكبح جماح النفس مع إعطاء التوازن والفسحة المناسبة لحقوق الإنسان الدنيوية ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات منَ الرِّزْق) سورة الأعراف الآية ۳۲ ، وبه يفتح المتنفس الشرعي وصمام الأمان للسيطرة وحماية الإنسان من الانحراف والتعصب، لتطويع التعصب بحيث لا يكون إلا للحق وبالشكل المتوازن الحضاري، وبهذا يحقق الابتعاد عن تفريق الأمة وخلق الطائفية والتأزم النفسي لدى الأفراد وانعكاسه على السلوك الذي يتمناه ويخطط له عدو الإسلام والإنسانية، بل يوحد النفس المطمئنة في بحبوحة اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل الآخرتك كأنك تموت غدا)، والبناء على أساس الوعي والعمل بحقيقة إن ما حرم الله سبحانه وتعالى هو لحماية الإنسان من المضار المحيطة به، وما حلله الله عز وجل هو يصب نتائجه في نفع الإنسان والإنسانية حينما يعمل بهداه، ومن خلال اجتناب المضار والعمل بالمنافع المحققة للسعادتين، الدنيوية والأخروية، وبهذا المنهج كان الشيخ الوائلي يستقطب كل المذاهب والعقيدة الإنسانية، وبكل الأبعاد المنظورة وغير المنظورة، وبالعمق الاستراتيجي وبديناميكية الكلمة، ضمن محور الحق وسلامة الدين والمسلمين.
٣ – المنهج الآخر المتمثل بالمرحوم الخطيب السيد جابر أغائي، الذي يحاكي بطريقته الخاصة وباستقلالية ، كل من منهج السيد شبر والشيخ الوائلي لا وجميع المرتقين إلى طريق المنبر الحسيني الإنساني المبارك، التي تجمع المدرسة والجامعة الكبرى الشاملة والمشرع أبوابها لكل الإنسانية، الذي ينهل منها المسلم بكل طوائفه وقومياته ومذاهبه، وغير المسلم من الديانات الأخرى، وحتى من لا صلة له بالدين، وما أقوال القادة ومنهم غاندي وماو، والأدباء والشعراء والمثقفون بكل طروحاتهم، إلا الدليل الواضح على عالمية هذه الجامعة، وأرضية الارتقاء إلى المنبر الحسيني.
وترى في محاضرات المرحوم السيد أغائي، يجمع بين الدين والفكر الموسوعي للعلوم بما فيه الكيمياء والفيزياء والطب والفلك. بشكل مختلف ولا يخالف منهجه لمدارس من يجمعهم خدمة الدين الإسلامي وبشكل عام الفكر الإنساني ووحدته، ففي استقراء محاضراته التي طالما تشرفت بحضورها إلى جانب محاضرات علمائنا وأعلامنا الأفذاذ الأجلاء، منذ الستينات وحتى وقتنا الحاضر، رغم تفاوت حرية كل حقبة تاريخية محددة وضغوطاتها نراه يتحدث فيها عن القديم والحديث ومنتهلا من الفكر الإسلامي وطروحاته المواكبة لكل تطور، بالإضافة إلى ما سبق ذكره.
وهناك أفذاذ في خدمة الفكر الإسلامي، وسبيلهم المنبر الحسيني وما هؤلاء الكرام إلا صور المناهج ضمن المدرسة الهادفة للارتقاء إلى المنبر الحسيني الذي يصب في خدمة الإسلام والمسلمين، وهناك مناهج أخرى متكاملة مع السابق الذكر، لا يسع ذكرها، والتي ترتقي لتطويع ما هو مستحدث من الفكر للفضاء الواسع للفكر العقائدي الذي يجمع كل المسلمين والإنسانية للتعايش بالمحبة والسلام.
مناهج محاضرات السيد جواد شبر والوائلي و أغائي
وعموماً نرى في مناهج المحاضرات السالفة الذكر الأمور التالية:
۱- محاضرات تبدأ بذكر الإمام الحسين ومصيبته العظيمة، ثم تأخذ بنور آية قرآنية كريمة لتفسيرها أو الاهتداء بخطاها، ومعالجة أمر معين يتضمن التوعية الشاملة، وتقويم أمور الحياة ومسكها ذكر أهل البيت الام ومصائبهم والتعرج إلى ذكر الحسين .
-۲- محاضرات تبدأ بذكر الحسين ، وآية قرآنية مباركة، ثم استذكار في ضوء هذه الآية لأمور دنيوية وأخروية، بما فيها التحليلات العلمية وبما جادت به العلوم الحديثة.
٣. في بعض المحاضرات تتضمن نهايتها مجموعة أسئلة في أمور الدين والدنيا ، توجه من الحضور، والإجابة عليها من المحاضر، وهو ما أخذ به الشيخ الدكتور الوائلي .
٤- جميع الخطباء، إن لم يشتركوا في الشهادة الأكاديمية، فقد اشتركوا بالشهادة الأعقد منها، ألا وهي الشهادة الحوزوية.
٥. جميع الخطباء عرفوا أن القاعدة المعلوماتية المتمثلة بالتوسع في الإطلاعات الموسوعية الفكرية والعقائدية ، هي السبيل لمواكبة كل جديد في التطور والنمو في البحث العلمي.
٦. الخطباء عرفوا بأن البنى التحتية للمعلومات ورصانتها تبدأ من الانفتاح على كل الاتجاهات العمومية والأفقية، وأقصد بها الانفتاح على المذهب في الدين الواحد الإسلامي، والانفتاح على بقية الأديان السماوية. لذا كان البناء الفكري والتحليل العلمي، مبني على أساس التحليل الموضوعي، والابتعاد عن التعصب الذي يدمر الفكر الإنساني.
٧. عرف الخطباء أن حاجة الموقف هي المحدد لما خطط للمحاضرة الرصينة، سواء كانت المبسطة أو المعقدة المحاكاة واستيعاب كل المستويات وهو ما يجعل القدرة والرغبة لكلا الطرفين الخطيب أو المحاضر والمستمع أو المتعلم، ليكون هناك انسيابية في تقبل الاستعراض الفكري والعقائدي .


