تصريحات السفير البريطاني في بغداد، التي دعا فيها إلى حل “الحشد الشعبي” أو إنهاء دوره بعد هزيمة تنظيم داعش، تمثل نموذجاً واضحاً لتجاوز الخطوط الحمراء في العمل الدبلوماسي، وانتهاكاً صريحاً لمبدأ سيادة الدول المنصوص عليه في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
التدخلات الخارجية وانتهاك السيادة
ووفقاً لإتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961)، فإن مهمة السفير تقتصر على تمثيل بلاده، وتعزيز العلاقات الثنائية، ونقل المواقف الرسمية بطرق رسمية عبر القنوات الدبلوماسية، لا عبر التصريحات الإعلامية التي تمس القضايا السيادية. والدعوة لحل مؤسسة أمنية عراقية تأسست بقانون برلماني، هي تدخل مباشر في الشأن الداخلي، ويتعارض مع واجب الإحترام المتبادل بين الدول.
وإن قضية الحشد الشعبي والذي هو جزء من المنظومة الأمنية وليس كياناً خارج الدولة، بل هو مؤسسة رسمية مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، أُنشئت بقرار شرعي وبرلماني إستجابةً لفتوى المرجعية الدينية عام 2014، ولعبت دوراً حاسماً في صدّ تنظيم داعش وحماية المدن العراقية. حيث إن حلّ هذه المؤسسة أو تعديل وضعها القانوني هو شأن داخلي عراقي بحت، يقرره البرلمان والحكومة والشعب، لا السفراء الأجانب.
ازدواجية المعايير الغربية
ومن المثير للإستغراب أن دولًا غربية، ومنها بريطانيا، تدعم في دول أخرى قوات شبه عسكرية أو تنظيمات مسلحة ضد الحكومات أو شراكات أمنية، لكنها تعترض على وجود الحشد الشعبي في العراق رغم دوره الحاسم في حماية البلاد. وهذا يثير تساؤلات عن الدوافع السياسية الحقيقية وراء هذه المطالب، خاصةً في ظل الصراع الإقليمي والدولي على النفوذ في العراق.
وإن التاريخ القريب للعراق مع الاحتلال الأجنبي يجعل أي تصريح خارجي عن هيكل مؤسساته الأمنية حساساً للغاية. فإن العراقيون، بمختلف توجهاتهم، يرفضون أن تتحول القرارات الوطنية إلى إستجابة لإملاءات خارجية، خصوصاً من دول لها تاريخ إستعماري في المنطقة.
ونعتبر تصريحات السفير البريطاني ليست فقط خروجاً عن مهامه الدبلوماسية، بل هي إستدعاء لذاكرة التدخلات الأجنبية في العراق. والحشد الشعبي، بصفته مؤسسة رسمية، يجب أن يُعامل كجزء من السيادة الوطنية، وأي نقاش حول مستقبله يجب أن يبقى داخل البيت العراقي، بعيدًا عن التدخلات الخارجية التي تُشعل التوتر وتضعف الثقة بين الشعوب والدبلوماسيين.
التاريخ علمنا إن التدخلات الأجنبية تبدأ بكلمة وتنتهي بكارثة، وأن من يساوم على سيادته اليوم سيجد نفسه غدًا بلا وطن كامل السيادة. فالعراق الذي قدّم التضحيات الجسام ليبقى موحداً، لن يقبل أن تُرسم ملامح أمنه الوطني في لندن أو واشنطن أو أي عاصمة أخرى.
وإننا نقولها بوضوح لا لبس فيه العراق ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا مختبراً للتجارب السياسية الغربية. دماء الشهداء التي روت تراب هذا الوطن أغلى من كل تصريحات السفراء، وإن قرارنا الوطني لا يُكتب إلا بأيادي العراقيين. فالحشد الشعبي ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل رمز لإرادة شعب رفض الانكسار، ومن يطالب بحلّه إنما يطالب بتجريد العراق من أحد أعمدة قوته. فليعلم الجميع، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، أن سيادة العراق خط أحمر، وأن زمن الوصاية الأجنبية قد انتهى، وأن من يتجاوز حدوده معنا… سيجد أن العراق لا ينسى ولا يغفر.


