إخفاق العراق ضمن خارطة الإنتاج البحثي..

إخفاق العراق ضمن خارطة الإنتاج البحثي..
يكشف مؤشر نيتشر لعام 2025 عن تراجع مؤلم لمكانة العراق البحثية، حيث يظهر حضوره باهتاً وهامشياً بين دول العالم والمنطقة. هذا التراجع لا يقتصر على الأرقام، بل يعكس أزمة بنيوية في الرؤية والإدارة وتمويل البحث العلمي، ويكشف عن اعتماد واسع على نشر كمّي في مجلات ضعيفة الجودة بدلاً من السعي للتميز النوعي في مجلات النخبة. ....

اطلعت بكثير من الألم على نتائج مؤشر نيتشر لعام 2025، الذي يرصد خريطة النشر العلمي العالمي ويصنف الدول استناد إلى جودة إنتاجها البحثي وتميزه. لم يكن الحزن فقط لأن العراق لم يكن في الصدارة، بل لأن حضوره كان باهت، هامشي، يكاد لا يرى، وكأن عقود من الجهد الأكاديمي والتعليم العالي لم تثمر ما يذكر في ميزان المعرفة الإنسانية.

إن هذا المؤشر لا يكتفي بالكشف عن منجزات الدول في ميدان البحث العلمي، بل يضعها على محك التنافس الدولي الصارم، ويكشف الفجوة العميقة بين الطموحات المعلنة وما يتحقق فعليا على أرض الواقع. وفي ظل هذه الفجوة، يبدو أن العراق يقف خارج لحظة العالم العلمية، يراقب من بعيد، بلا أدوات فاعلة، ولا سياسات واضحة تعيد له مكانته كمركز تاريخي للمعرفة.

يكشف مؤشر (نيتشر إندكس) لعام 2025 عن صورة دقيقة ومقلقة في آن معا لواقع التعليم العالي في العراق، حين نضعه في سياق المقارنة مع دول المنطقة، وخاصة في غرب آسيا. هذا المؤشر الذي تصدره سنويا مؤسسة Springer Nature، وهي من أكبر وأعرق المؤسسات العالمية في مجال النشر العلمي، لا يكتفي بعرض كمي للإنتاج البحثي، بل يقدم نوع من التقييم النوعي استنادا إلى عدد المقالات المنشورة في نخبة من المجلات العلمية المرموقة، ويعتبر من أهم الأدوات العالمية لقياس التميز البحثي الحقيقي للمؤسسات والدول. وعندما نتصفح نتائج العراق في هذا المؤشر، نجد أنفسنا أمام أزمة تتجاوز الأرقام إلى ما هو أعمق، أزمة رؤية، وتمويل، وإدارة، وربما أيضا أزمة معنى لما يجب أن يكون عليه البحث العلمي في بلد بحجم العراق وتاريخه الأكاديمي.

غياب الجامعات العراقية عن المراتب المتقدمة في هذا التصنيف لا يمكن تفسيره فقط بعوامل أو ظروف سياسية واقتصادية عصفت بالبلاد، رغم ثقل تأثير هذه العوامل، بل إن هذا الغياب الممتد والمتكرر يعكس اختلال هيكلي طويل الأمد في بنية التعليم العالي والبحث العلمي.

إن الدول المجاورة، بما في ذلك دول الخليج التي بدأت حديثا نسبيا في تطوير بنيتها البحثية، قد أصبحت تتقدم في هذا المؤشر عام بعد عام، مدفوعة برؤى استراتيجية واضحة واستثمارات ضخمة في البنية التحتية البحثية والتكنولوجية، بينما بقي العراق أسير نماذج تقليدية من التعليم، تتسم بالجمود، وانفصال البحث عن التنمية، وغياب الحوافز والحوكمة الرشيدة.

من اللافت للنظر أن مؤشر نيتشر إندكس لا يمنح وزن للأبحاث المنشورة في أي مجلة علمية، بل يركز فقط على المجلات التي تملك أعلى معايير الجودة والتحكيم العلمي الصارم، مثل Nature وScience وCell وغيرها، وهو بذلك يكشف هشاشة الإنتاج البحثي العراقي الذي بات يعتمد في الغالب على النشر في (مجلات من الدرجة الثانية ) أو تلك التي تتهم أحيانا بأنها مجرد (مطابع أكاديمية) لا أكثر، ما أدى إلى توسع ظاهرة ما يعرف بالبحث من أجل الترقية بدل من البحث من أجل المعرفة أو التنمية، وهي ظاهرة تفرغ البحث من محتواه وتجعله جزء من روتين إداري أكثر منه مشروع فكري أو علمي جاد.

إن أزمة العراق مع مؤشر نيتشر إندكس لا تتعلق فقط بالتصنيف، بل بما يكشفه هذا التصنيف عن غياب المؤسسات البحثية الفاعلة القادرة على المنافسة، وندرة فرق البحث المتخصصة المرتبطة بمشاريع دولية أو إقليمية ذات تأثير، وهو أمر يتطلب إعادة نظر شاملة في مفهوم (الجامعة) و(المركز البحثي) و(الباحث) في العراق. فالمؤسسات الأكاديمية العراقية ما زالت في الغالب تتعامل مع البحث العلمي (( كعبء إضافي لا كجزء أصيل من وظيفتها ))، وتفتقر إلى النظم الداخلية التي تدعم العمل الجماعي، وتوفر الوقت والتمويل والتدريب اللازمين لتحويل الباحث من مجرد مدرس إلى عقل منتج ومؤثر في مجاله.

من ناحية أخرى، فإن غياب العراق عن هذا التصنيف يعد تحذير مبكر لقيادات التعليم والبحث في البلاد، ذلك أن الدول التي لا تسجل حضور في مثل هذه المؤشرات تفقد تدريجيا موقعها في خارطة المعرفة العالمية، وتصبح عاجزة عن المساهمة في القرارات العلمية أو التكنولوجية التي تحدد شكل المستقبل، سواء في الطب أو الطاقة أو الذكاء الاصطناعي أو البيئة. وهذا الغياب لا ينعكس فقط على سمعة البلد العلمية، بل يحرمه أيضا من فرص التعاون الدولي، والتمويل المشترك، والاستفادة من نتائج الأبحاث الحديثة، بل وحتى من استقطاب الباحثين الدوليين.

ولعل ما يزيد الطين بلة أن المؤسسات العلمية العراقية التي تسعى، رغم الصعوبات، إلى النشر في المجلات الرصينة، غالبا ما تترك لتواجه وحدها عقبات التمويل، واللغة، وانعدام الدعم اللوجستي، فيما تغيب عن الساحة برامج حكومية واضحة لدعم النشر العلمي المتميز. وحتى عندما يحقق باحث عراقي اكتشاف علمي، فإنه غالبا ما ينجز خارج بلده، أو يتم توجيهه نحو الانتماء إلى جامعات أجنبية من أجل الاعتراف بجهده، ما يكرس نزيف العقول ويحول دون تحقيق تراكم بحثي محلي حقيقي.

إن مؤشر نيتشر إندكس لهذا العام ليس مجرد مرآة لإخفاقٍ علمي، بل هو صوت إنذار لنظام التعليم العالي العراقي بأن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى تهميش العراق تماما عن النظام العالمي للمعرفة. فالجامعات ليست مجرد مبانٍ أو شهادات أو عدد خريجين، بل هي معامل لصنع الفكر وتوليد الحلول. وإذا لم يتم ربط التعليم بالبحث، والبحث بالتنمية، والتنمية برؤية وطنية شاملة، فستظل مؤشرات مثل نيتشر إندكس تعكس غياب العراق لا عن التصنيف فقط، بل عن المستقبل.

ومن المهم هنا التوقف عند نقطة جوهرية كثيرا ما يساء فهمها، لماذا لا تحتسب مؤشرات مثل نيتشر إندكس الأبحاث المنشورة في مجلات مفهرسة ضمن مستوعبات سكوبس، رغم أن معظم الجامعات العراقية تفتخر بنشرها فيها؟ الجواب يكمن في طبيعة المنهج الذي يعتمده نيتشر إندكس، فهو لا يهتم بالكم بل بالكيف، ولا يدرج سوى المقالات المنشورة في نخبة من المجلات العلمية العالمية ذات التأثير الكبير، مثل Nature وScience وCell، وهي مجلات تخضع لتحكيم صارم ولا تقبل فيها إلا (( الأبحاث التي تمثل إضافة نوعية حقيقية إلى المعرفة )) . في المقابل، فإن سكوبس، رغم أهميته كمستودع ضخم للبيانات الأكاديمية، يشمل طيف واسع من المجلات متفاوتة الجودة، كثير منها يستخدم فقط لأغراض الترقية أو المتطلبات الإدارية داخل الجامعات، دون أن يكون لها وزن حقيقي في ساحة البحث العالمي.

هذا الفارق بين الكم والنوع هو ما يجعل العراق حاضر رقميا في سكوبس وغائب فعليا في نيتشر. فالنشر في المجلات المفهرسة وحده لا يكفي إن لم يكن جزء من مشروع بحثي رصين، مدعوم بالتجريب والتحليل والتعاون، وموجه نحو أسئلة كبرى تسهم في فهم العالم أو معالجته. ولذلك، فإن أي إصلاح حقيقي للبحث العلمي في العراق لا بد أن يبدأ من مراجعة شاملة لمفهوم النشر نفسه، وغاياته، وآليات تمويله، ومسارات تقييمه، حتى لا يبقى العلم حبيس الجداول والإحصاءات، بل يتحول إلى طاقة فاعلة في صناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *