في زمن السرعة الرقمية وسِباق الظهور لتَصدُر مشهد “الترند ” لجمع أكبر قدر ممكن من المشاهدات والإعجابات وربماً قليلاً من حصد التعليقات ، والأخيرة قد تكون بقدر قليل من الأهمية ، ففي العالم الرقمي لم تَعد الأراء مهمة لمتصدري ” الترندات ” حتى باتت تلك الاراء لا تعنيهم ، بقدر ما يعنيهم الظهور والإنتشار السريع . السياسة هي الأخرى تغيرت في هذا الزمن الرقمي وإستخدام المنصات الإلكترونية ( مواقع التواصل الاجتماعي ) لنقل المحتوى السياسي . إذ لم تعد السياسة نتيجة التفكير العميق والتحليل والمشاركة الواقعية ، قراءة الكتب ، المقالات الفكرية ، والمناظرات الطويلة بين المختصين في السياسة ” المحايدين” ، ولم تعد القضايا السياسية تُختزل داخل جدران البرلمانات والجامعات والمؤسسات والمراكز الفكرية والبحثية ، وإنما أصبحت وليدة اللحظة ، تُبنى ” مشاعرياً ” على لحظة إنفعال للتفاعل مع موقف ما أو حدث آني دون الرجوع إلى مُعطيات الموقف ودراسة حيثياته بشكل مُكثف للتوصل إلى رأي فكري مُحايد وسليم . أصبحت أكبر القضايا السياسية تُختزل في تغريدة او منشور او فيديو لا تتجاوز مدته ٣٠ ثانية على منصة ( X ) وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك ؛ ويُنقل المحتوى وفقاً للحظة إنفعال وغضب او ربما لمواكبة وسم ” هاشتاغ ” ، وقد تكون لحظة تَحيُز وعاطفة فيكتب مقالاً دون حياد عن حدث آني يَخُص توجهاته السياسية وطائفته ( الدينية والقومية ) فيبُث سُمه لا شعورياً ، حتى وإن كان مُختصاً في الشأن السياسي ! فهو يَتصرف وفقاً لعاطفته ونفسه العنصري مُتناسياً تحصيله العلمي والعقل والمنطق ، ثم يشارك آرائه الآخر على أساس ” الثقة ” بأراء صاحب المنشور الرئيس وأفكاره ، مُتجاهلاً بذلك آراؤه الفكرية وشخصيته الثقافية والعلمية ، عاجزاً عن التفكير قليلاً – على الاقل- قبل التفاعل معها ، والرجوع الى الحقيقة والتقصي عنها بنفسه ، لتشكيل رؤيته الخاصة وأفكاره المستقلة بعيداً عن العاطفة والإنجرار خلف التفكير الجمعي ، وبالتالي يتبنى هؤلاء أيديولوجيات مُعاد صياغتها بعناية لتتلاءم مع لحظات الانفعال، فتتحول الأفكار إلى شعارات جاهزة تستهلك بسرعة دون التحقق والتمحيص . هل يؤثر الترند في تشكيل الوعي السياسي ؟ الترند سلاح ذو حدين في تشكيل الوعي السياسي ؛ فمن جانب إن ” الترند ” ينشر أهم القضايا السياسية كما تنتشر النار في الهشيم ، فيُشعل الرأي العام سريعاً دون تَروي وهذا ما شاهدناه في حرب غزة ، إذ تتحول صورة دامية واحدة ، او فيديو لطفلٍ تحت الرُكام إلى وسم عالمي يتصدر منصات التواصل الاجتماعي ، مما يُشكل مواقف سياسية وشعبية داعمة لقطاع غزة بشكل خاص والقضية الفلسطينية بشكل عام ، وفي هذه الحالة يُصبح ” الترند ” قوة إعلامية ( ناعمة ) تؤثر بشكل كبير وتدعم القضايا السياسية والإنسانية ونقل معاناة الشعوب وما خلفته الحروب من الموت والدمار . من جانب آخر ؛ يؤثر الترند بشكل مُضاد للأول ، عندما تُضلل الحقائق وتُزيف المشاهد وتُشوه الوقائع وتنقلب المواقف ، حينها ينقلب الوعي السياسي وتُغيب العقول عن فهم الحقيقة وإدراكها . وأحياناً الانجراف بشكل عاطفي ومؤقت له تأثير سلبي على القضايا المصيرية للشعوب ، إذ لابد من مواصلة الدعم لهم بشكل مستمر دون تَوقف ليعلم الجميع بما يعانيه الإنسان في بقعة ما من هذه الأرض ، دون مُراعاة مُدة ” الترند ” ، لكي لا يكون الدعم وقتي ينتهي ويُنسى بإنتهاء ” الترند ” خاصة إذا كانت القضية ” إنسان ” . مَن يُوجه ” الترند ” ؟ 1. الخوارزميات الرقمية : تحتوي منصات التواصل الاجتماعي على خوارزميات رقمية مُعقدة توجه المحتوى حسب آخر ما تفاعل معه المستخدم ، وبناء على التفاعل والمشاهدة تُصبح إمكانية الوصول للجمهور كبيرة وسريعة . 2. الإعلام المُسيس : هناك إعلام موجه ينشر آراءه وأفكاره السياسية لغزو العقول وإحتلال الفكر ، وهذه إحدى أدوات القوة الناعمة في السيطرة على الشعوب . 3. الاشخاص أنفسهم : يتفاعل الاشخاص أنفسهم مع عدد كبير من المنشورات ويعيد توجيهها مرة أخرى دون الرجوع للحقيقة وبالتالي تُضخم الاراء المعقدة والبسيطة وتسهم في نشرها بشكل واسع النطاق ودفع الترند الى الأمام تحت لواء ” الوعي الجمعي ” . هل نحن نوجّه الترند أم الترند يوجه عقولنا ؟ يبقى السؤال الجوهري في هذا المقال هو : هل نحن أحرار في التفكير وتكوين الرؤى السياسية أم إننا نستند على أفكار جاهزة ونُعيد توجيهها في كل حين ؟ ولكي لا يُصبح الفكر أسير ” الترند ” ، لابد من التفكير النقدي والبحث عن الحقيقة من مصادرها الأصلية ونعتمد على التفكير النقدي والتحليل بناءً على العقل والمنطق وليس العاطفة ، ولا بد من التمهل في التفاعل والانتقائية في مشاهدة ومتابعة المحتوى والأشخاص ، وتجنب ردود الأفعال المتهورة والسريعة ، ولا بد من توجيه ” الترند ” بشكل هادف وداعم للقضايا السياسية بشكل خاص والانسانية بشكل عام
. ختاماً ينبغي علينا التعامل بحذر ومسؤولية مع ما يُنشر في منصات التواصل الاجتماعي ، والبحث عن الحقيقة بأنفسنا من مصادرها الأصلية ، وبناء تفكير خاص ورأي سياسي مُستقل ، فلا يوجد أسهل من أن تُصبح مُختصاً سياسياً في عصر الرقمية ، ما إن ترتدي بذلة رسمية وربطة عُنق ثم تتحدث عن أي هُراء في منصة إجتماعية او قناة إعلامية ، لتُصبح مفكراً وخبيراً وباحثاً في الشأن السياسي يعتمد الناس افكارك ، الأمر بهذه البساطة . لذا ” كُن أنت مصدر وعيك “
