قراءة في ألواح ملحمة جلجامش

قراءة في ألواح ملحمة جلجامش
بهذين السطرين تبدأ الملحمة، ويبدأ اللوح الأول منها، تلك الملحمة المعنوية باسم (هو الذي رأى) جرياً على عادة السومريين القديمة بتسمية اللوح بأول جملة منه والمقصود بـ(هو الذي رأى) جلجامش، وهذه البداية التي نراها تصلح أن تكون النهاية. ففيها تقر  الملحمة بأنّ جلجامش الموصوف بالحكمة قد عرف كل شيء خلال رحلاته الطويلة...

اللّوح الأول([1])

“هو الذي رأى كلّ شيء إلى تخوم الدنيا

هو الذي عرف كلّ شيء وتضلّع بكل شيء”

بهذين السطرين تبدأ الملحمة، ويبدأ اللوح الأول منها، تلك الملحمة المعنوية باسم (هو الذي رأى) جرياً على عادة السومريين القديمة بتسمية اللوح بأول جملة منه.

والمقصود بـ(هو الذي رأى) جلجامش، وهذه البداية التي نراها تصلح أن تكون النهاية. ففيها تقر  الملحمة بأنّ جلجامش الموصوف بالحكمة قد عرف كل شيء خلال رحلاته الطويلة التي خاضها في ملحمته التي سيأتي الذكر عليها، وجاء بكثير من الأسرار والأخبار عن الزمان الغابر وعن الأماكن المجهولة. وقد نقش هذه الأسفار، وذلك في لوح جعله في أحد أسوار مدينته، التي بناها ورفع أسوارها، وبنى معبدها المقدس، معبد (عشتار)([2]) بعد أن وضع أسسها الحكماء السبعة. وتلك المدينة خضراء جميلة ذات بساتين ومروج.

تبدأ الملحمة بوصف جلجامش، فتصفه ملكاً لكلّ الصعاب، فاق كلّ الملوك قوة، وهو ابن آوروك، وهو رجل أمين، كما أنه قائد سنجاع، وفي أصله هو ابن الإلهة ننسون.

” نسل لوجاك بنداء جلجامش الكامل القوة.

ابن البقرة المهوب ننسون([3]).

فاتح ممرات الجبال.

ناقب الآبار في سفوح المرتفعات.

فهذا الملك كما تقول الملحمة  ثلثاه إله، وثلثه بشر؛ وهو يملك جسداً قوياً كما جسد الثور، وقدرته على القتال لا مثيل لها، ولا يستطيع أحد أن يتصدى له، حتى عندما يأخذ الابن من أبيه أو المرأة من أختها أو الفتاة من زوجها، لا يستطيع أن يعترض أحد عليه.

” لا يترك جلجامش ابناً لأبيه

ماض في مظالمه ليل نهار

وهو الراعي لأوروك المنيعة

لا يترك جلجامش بكرا لأمها

ولا ابنة لمحارب أو صفية لنبيل”

ولكن أهل أوروك يشتكون للآلهة، ويطلبون منها أن ترسل من عندها من يتصدّى لجلامش، فتخلق آلة آدور إنكيدو قوياً كأنّه ثور بعد أن جمعت قبضته من الطين ونفخت فيها الروح([4]).

“لقد خلقت آرورو هذا الثور الوحشي.

بأس سلاحه بلا شبيه.

سمعت آرورو هذا، وتملّت في فؤادها صورة آنو([5]).

غسلت يدها وجمعت قبضة من طين رمتها

في الفلاة.”

وقد كانت هيئة إنكيدو (المخلوق الجديد) مخيفة، فهو أشعث الشعر، يلبس ملابس الرعاة، يأكل مع الحيوانات، ويرد معها الى الماء.

“في البراري خلقت إنكيدو العظيم، نسل ننورتا([6]) .

يكسو الشعر جلده، وشعر رأسه كامرأة

لا يعرف الناس ولا البلدان

يرعى الكلأ مع الغزلان

يرد الماء مع الحيوان

ومع البهيمة يفرح قلبه عند الماء ”

وقد طال إزعاج إنكيدو للصياد الشاب الذي كلما وضع فخا أفسده له، ولما رأى الصياد الشاب إنكيدو وجها لوجه، أصابه الخوف الشديد.

” رآه الصياد فامتقع وجهه هلعاً

مضى بصيده إلى بيته

كان في قلبه اضطراب، وعلى محياه إكتئاب ”

ثم أسرع الشاب يشكو إلى أبيه من ذلك المتوحش الذي يسكن الفلاة، وقد اقترح الأب الخير أن يتوجه ابنه إلى جلجامش، ويقص عليه القصة لعله يعطيه إحدى عاهرات المعبد، ليغوي إنكيدو بها. وهذا ما كان فعلاً فما كاد يرى إنكيدو العاهرة التي تجردت من ثيابها حتى عاشرها ومارس الجنس معها أياما طويلة حتى كرهته الحيوانات، وانصرفت عنه، ولم تعد ترغب فيه.

” فقد وقع بصر المرأة عليه، رأت الرجل الوحشي

فتاة البهجة، حرّرت ثدييها، عرّت صدرها

فقطف ثمارها

لم تخجل، أخذت إليه دفأها

طرحت ثوبها، انبطح عليها

علّمت الرجل الوحشي وظيفة المرأة

وها هو واقع في حبها”

عاد إنكيدو حزيناً إلى العاهرة([7]) بعد أن نبذته الحيوانات، وسألها النّصيحة، فعرضتْ عليه أن تذهب به إلى أوروك جلجامش.

” تعال آخذك إلى أوروك المنيعة

حيث المعبد المقدس مسكن آنو وعشتار”

راقت الفكرة جلجامش وقرر التوجه إلى أوروك في حين كان جلجامش كان يحلم بأمور غريبة تزعجه، فهو يحلم بنجم ثاقب يجثو عليه، كما يحلم بفأس يضعه عند قدميه، ويضمه كما يضم الرجل المرأة، وهو يبحث عن تفسير لأحلامه عند أمه التي تبشره بصديق يحبّه بشدة، فيفرح جلجامش بهذا التفسير([8]).

“إن الفأس التي رأيت رجل

لقد ملت عليها كما تميل على امرأة،

ولقد جعلتها بنفسي لك ندا

معنى ذلك: رفيق غنيّ يعين الصديق عند الضيق

أقوى من في الفلاة ذو بأس عظيم”

ويقول قاسم المقداد: “يعتقد بعض المختصين في ثقافة وتاريخ شعوب بلاد ما بين النهرين القديمة بأنّ الأحلام الواردة في قصة ملحمة جلجامش من نوع (الأحلام – الرسائل) إنّما  (أحلام – رموز)؛ لأنّ الحلم الرسالة “يرد دائماً في إطار اصطلاحي متصلّب، والرسالة المنقولة هي رسالة ملفوظة لكلمات واضحة ومفهومة، بينما لا تكون الرسالة في (الحلم – الرمز) ملفوظة العبارات واضحة بشكل مباشر بل على العكس، فإنّ الحالم يرى مجموعة من الأفعال والحركات أو الأحداث العقلية لا يكون أبطالها محددين، مثل الآلهة والنجوم أو الأشياء الأخرى”([9]).

اللوح الثاني

عاد إنكيدو مع عاهرة المعبد إلى حيث الرعاة والحظائر، كانت الحياة غريبة بالنسبة له، فلأول مرة يرى الخبز والخمر بل ويأكلها كما كان يشرب الحليب من الحيوانات المتوحشة.

” تعود أن يرضع

وضعوا أمامه خبزاً

فارتبك، نظر إليه

وحدّق فيه

فإنكيدو لا يعرف شيئاً

عن أكل الخبز وشرب الشراب القوي”

أخذ إنكيدو ينخرط في الحياة الإنسانية الاجتماعية بمساعدة العاهرة والرعاة، وأخذ يفتك بالأسود

التي تزعجهم، فقد كان قوياً إلى درجة كبيرة.

” أخذ سلاحه،

وراح يهاجم الأسود

يريح الرعاة منها ليلاً

قنص الذئاب

واصطاد الأسود”

وفي هذه المرحلة لقى إنكيدو جلجامش في السوق أمام أحد البيوت حيث ينوي جلجامش الدخول بعروس، ليعاشرها قبل زوجها كما اعتاد أن يفعل.

” طبل الناس يقرع

يطأ العرائس المنذورات للزواج

هو يأتي أولاً

ومن ورائه الزوج الموعود”

يتصدى إنكيدو القوي المشابه لجسد جلجامش له؛ وإن كان أقصر منه؛ ويحاول أن يمنع جلجامش من الدخول بعروس غيره

” إنّه شبيه لجلجامش في بنيته

أقصر قامة،

ولكنّه أصلب عوداً”

يدور بين الاثنين صراع شديد، يحطما فيه دعائم البوّابات، ويخوران خوار الثيران

“جلجامش وإنكيدو،

أمسك كلّ منهما الآخر،

يخوران خوار الثيران.

حطّما دعائم البوابة.

وارتجت لهول الصراع الجدران”

وفي النّهاية كتب النصر لجلجامش، واستدار مبتعداً، بينما وجه إنكيدو إليه كلّ معاني الاحترام والتقديس.

” كمخلوق فريد، أمك

سيدة المدن الحصينة، البقرة الوحشية

الربة ننسون

قد حملت بك”

اللوح الثالث

يبدو جلجامش وإنكيدو قد عقدا صداقة دائمة، وهذه الصداقة قد غيّرت جلجامش تغييراً عميقاً ؛ فبعد أن كان مضرب الأمثال في الظّلم والطغيان، نجده قد عقد العزم على المضي إلى غابة الأرز البعيدة، حيث الوحش حواوا([10])، رمز الشر ليقضي عليه، ولكن إنكيدو يحاول أن يثنيه([11]) عمّا نوى

“ترى لماذا ترغب

في القيام بذلك

في المضي إلى الغابة”

ولكن محاولات إنكيدو تذهب أدراج الريح، ويصمّم جلجامش على هذه المغامرة؛ لأجل تخليص البشر من شر حواوا.

“في الغابة هناك يعيش حواوا الرهيب

هيا، أنا وأنت نقتله،

هيا نمسح الشّر كلّه عن وجه الأرض”

ويعزي جلجامش إنكيدو بموافقته ؛ لأنّ الحياة إلى زوال لذلك يستحق الأمر بعض العمل العظيم.

“الآلهة هم الخالدون في مرتع شمس([12])

أما البشر فأيامهم معدودات

وقبض الريح كلّ ما يفعلون

أراك خائفاً من الموت وما زلنا هنا،

فأين ضاعت منك القوة العظيمة”

يقرر كلّ من جلجامش وإنكيدو الانطلاق في رحلتهما، ويجهزان الأسلحة لذلك، وهذه الأسلحة غاية في القوة، فالفأس زنته ثلاث طالينات([13])، والسيوف يزن الواحد منها طالينين. وأمام باب المدينة ذات المزاليج السبعة، تجمهر الناس لوداعهم.

” تجمهر الناس

في طرقات أوروك ذات الأسواق

جلسوا أمامه

بينما كان يتحدث إليهم”

وقد حاول شيوخ مدينة آوروك أن يثنوا جلجامش عن قصده لما في ذلك من مخاطر، ولكنّه رفض ذلك، وبقي مصمماً على هدفه.

” قد سمعنا عن شكل حواوا المخيف

فمن يستطيع الصّمود أمام أسلحته؟!

تتسع الغابة عشر آلاف ساعة مضاعفة،

فمن يستطيع المضي في أعماقها،

وفيها حواوا يزأر كالعاصفة

في فمه نار وفي أنفاسه العطب”

وفي النهاية انطلق جلجامش إلى هدفه بعد أن جهز نفسه، ودع شعبه، وباركه شيوخ المدينة، وقدموا له النصح في رحلته قائلين:

“لا تعتمد على قوتك يا جلجامش

دعه يكشف الطريق أمامك، واحفظ نفسك

دع إنكيدو يتقدمّك،

فلقد رأى الطريق وقد سلكه،

حتى مشارف غابة الأرز”

ويذكر مؤلف هذه الألواح مباركة ننسون لرحلة ولدها، ودعائها المستمر من أجله ومن أجل صديقه ننسون

” أطفأت ننسون البخور

ودّعت إنكيدو وأعطته وصاياها

أي إنكيدو القوي. ولست من نسلي

ولكنني اليوم قد تبنيّتك

فصرت مني كفتيه جلجامش المنذورين([14])

اللوح الرابع

بعد عدة أسطر مهشمة في الألواح، لعلها سطور تصف الرحلة الطويلة يصل جلجامش وإنكيدو إلى غابة الأرز حيث يحفران بئراً قرباناً لشمش

“بعد عشرين ساعة مضاعفة، توقفا لبعض الزاد

وبعد ثلاثين ساعة مضاعفة أخرى – توقفا لقضاء الليل

خمسن ساعة مضاعفة قطعا في كلّ نهار

فاجتازا مسيرة شهر ونصف في ثلاثة أيام

ثم حفرا بئراً قرباناً لشمش”

وقد نجح إنكيدو وجلجامش في اقتحام البوابة المسحورة التي تحيط بالغابة التي شلت بعض الوقت يد إنكيدو بعد فتحها عنوة.

“فتح إنكيدو فمه قائلاً لجلجامش

دعنا يا صديقي لا نهبط الغابة

فقد شلت البوابة يدي بعد فتحها

ففتح جلجامش فمه قائلاً لأنكيدو:

لا تتحدث يا صديقي كإنسان ضعيف

قد واجهتنا صعاب تخطيناها معاً”

اللوح الخامس

في هذا اللوح يقف إنكيدو وجلجامش ينظران نحو الغابة

“شاهدا ذُرى شجر الأرز

وشاهدا مدخل الغابة”([15])

وفي هذه الألواح يحلم جلجامش ثلاثة أحلام مخيفة يفسرها إنكيدو إيجابياً، ويرى أنها إرهاصة في سبيل النصر

“إنها ياصديقي رؤية طيبة

وإنه لحلم عظيم

إنّ الجبل الذي رأيت، أيها الصديق هو خمبابا

سوف نمسك بخمبابا سوف نقتله”

وعند اللقاء بين خمبابا المرعب وجلجامش يهبّ الإله شمس لمساعدة جلجامش للقضاء على جمبابا؛ وقطع رأسه؛ والتخلص منه.

“سمع شمس السّماوي صلاة جلجامش

فهب في وجه حواوا رياح عاتية

الريح الكبرى، وريح الشمال، وريح الجنوب، وريح الزوبعة

ريح العاصفة، وريح الصقيع، وريح الإعصار”

فاللوح يؤكد أنّ الانتصار حدث بمساعدة الآلهة التي تبدو راضية عن جلجامش ومساعدة له.

اللوح السادس

ينتقل السير الدرامي في هذا اللوح إلى أوروك حيث يعود الصديقان، وينعمان في العيش، وحيث يغسل جلجامش شعره ويتزين.

“غسل شعره الطويل، ومسح أسلحته

أسدل شعر رأسه على كتفيه

نضى ثيابه الوسخة، وارتدى ثيابا نظيفة

لبس عباءة وأحاطها بحزام”

وفي هذا الجزء من الملحمة تقع عشتار([16]) في عشق جلجامش يعرض عليه الزواج مقابل الكثير من الهبات والعطايا.

“تعال يا جلجامش وكن عريسي

هبني ثمارك هدية

كن زوجا لي وأنا زوجاً لك

سآمر لك بعربة من لازورد وذهب

عجلاتها من ذهب وقرونها من كهرمان”

ولكن جلجامش يرفض هذا الزواج، ويسخر منها، ويعدّها شؤم على كلّ من أحبت([17]) ويذكر لها أولئك الذين أحبوها، فمسختهم إلى حيوانات، أو الذين كتبت عليهم الشقاء والموت أمثال دموزي.

تغضب عشتار من رفض جلجامش، وتقرر معاقبته، تسرع إلى والدها آنو، وتطلب منه أن يخلق ثوراً مخيفاً لتعاقب أوروك وجلجامش به، وتهدد باطلاق الموتى وبعثهم. إذا لم يستجيب والدها لطلبها.

وفي هذا الجزء من الملحمة يستخلص فراس السواح أنّ لعشتار سلطة على الحياة السفلى أيضاً، فيقول: “فكانت تعين أختها اريشكجال([18]) على ملء جهنم من الناس. وفي بعض النصوص تبدو ذات سلطة على العالم الأسفل تعادل سلطة أختها أريشكجال نفسها الأمر الذي يؤكد تفسيراتنا السابقة حول الوحدة الرّبانيّة للآلهتين. وتحدّرهما معاً من أصل مشترك لم تكن الأسطورة قد نسيته في تلك الأيام، ففي ملحمة جلجامش تطلب عشتار من أبيها آنو أن يعطيها ثـور السماء لتهلكَ به جلجامش الذي أهانها، وتهدد بأن تفتح بوابات العالم السفلي، فتطلق كلّ من ماتـوا منذ بدء الخليقة ليأكلوا ويشربوا مع الأحياء، لتعم المجاعة ويشرف الكلّ على الهلاك”([19]).

في النهاية يستجيب آنو لرغبة عشتار الغاضبة، ويخلق الثور المرعب الذي يهلك الكثير من أهل أوروك، ويشيع المجاعة فيهم، ولكنّه يُقتل على يد جلجامش وإنكيدو اللذين يتعاونان على قتله، وتقديم جسده قرباناً للإله، فيغضب هذا الأمـر عشتار، وتبكيه هي وعاهرات المعبد، ويعود جلجامش ويهنها مرة أخرى، ويرميها بفخد ثورها الميت :

“انتزع فخد الثور الأيمن ورماه في وجهها

لو استطعت بك إمساكا،

لينالك مني مثل ما ناله،

ولربطت أحشاءك إلى خصرك”

اللوح السابع

تجتمع آلهة السماء، وتقرر معاقبة من قتل ثور عشتار السماوي، ويقع الاختيار على إنكيدو بسبب مجهول لا تذكره الملحمة.

“فقال آنو لإنليل

لأنهما قتلا ثور السماء، وصرعا حواوا

واحد منهما يجب أن يموت.

من جرد جبل الأرز يموت

فقال إنليل: سيموت إنكيدو

أما جلجامش فلن يموت”

وسرعان ما يقع إنكيدو طريح الفراش لأيام يعاني منها آلام الشديدة، ويلعن فيها الصياد والعاهرة اللذين دفعا به إلى أوروك.

وعندما ينتقل إلى الحياة الآخرة، يدخل دار التعاسة التي لا يخرج أحد منها، ويخسر الكلّ فيها امتيازاتهم.

“إلى دار لا يرجع منها داخل إليها

إلى درب لا يرجع بصاحبه من حيث أتى

إلى مكان لا يرى أهله نوراً

في بيت التراب حيث دخلت.

رأيت الملوك وقد نزعت تيجانها”

أما جلجامش فيحزن بشدة لموت صديقه، ويلبس الخشن من اللباس بعده، ويشعر بوحدة شديدة تزيد من آلامه.

اللوح الثامن

هذا اللّوح من ألواح الملحمة يفيض بمشاعر الحزن وآلام على موت إنكيدو، فجلجامش يفرض شعائر الحزن على كلّ المدينة من نساء ورجال وشيوخ. وكثيراً من مقطوعات هذا اللوح تجسّد ذكريات جلجامش مع إنكيدو. ويقوم جلجامش بتخليد ذكرى صديقه بصنع تمثال له.

“وعند انبلاج ضوء الفجر، قام جلجامش بتشكيل [ …. ] ([20])

جلب طاولة كبيرة من خشب ال (ايلاماكو)

ملأ بالزبدة إناء من عقيق،

وملأ بالعسل إناء من لازورد

[…. ] زينهما وعرضهما للشمس”

اللوح التاسع

موت إنكيدو جعل جلجامش يفكر بعمق في الحياة والموت، ويقرّر أن يفهم حقيقتهما، لذلك يترك المدينة لكن دون غناء أو حشود مودعة، بل يلبس جلد الحيوانات وحيداً بائساً، ويقرّر التوجه إلى أوتونبشتم الإنسان الوحيد الذي وهب الخلود، ورقي إلى درجة الآلهة. وينطلق في رحلة صعبة تصف الألواح جزءاً كبيراً منها، حتى يصل إلى جبل ماشو الذي يقع في آخر الدنيا ليلقى هناك حرّاساً يحرسونه، نصفهم عقرب ونصفهم الآخر رجال. المنظر يخيفه بشدة  “يحمي مداخله البشر العقارب

لهم ألق مخيف وفي نظراتهم الموت

بسطوا جلالهم المرعب فوق الجبال

يحرسون الشمس في قدومها وإيابها

عندما وقع بصر جلجامش عليهم

أعتم وجهه خوفاً ومرقاً”

ولكن جلجامش يتمالك نفسه؛ ويخبر الرجال العقارب بوجهته، فيرقّ الرجل العقرب له، ويسمح له بعبور بوابة الجبل التي يسير فيها طويلاً حتى يصل إلى حديقة رائعة الجمال.

اللوح العاشر

في هذا اللوح يصل جلجامش إلى سيدوري ساقيه حانه الآلهة، التي تخشى منظر جلجامش، وتوصد دونه الأبواب، ولكن جلجامش يعرّفها بنفسه وبوجهه ويؤكّد لها أنّه جاء يبحث عن أوتونبشتم، ولا يريد بها شراً، وإنّما شكله حزين بسبب موت صديقه إنكيدو.

“إنكيدو الذي أحبت كثيراً

من لزمني في المشقات جميعاً

أدركه مصير البشر

في الليل وفي النهار بكيت عليه”

يطلب جلجامش من سيدروي أن تساعده في قطع بحر ديمون الذي يفصله عن أوتونبشتم ولكن سيدروي تؤكد له استحالة ذلك على بشر، وتنصحه بالاستمتاع بحياته.

“اخطر بثياب نظيفة زاهية

اغسل رأسك وتحمم بالمياه

دلل صغيرك الممسك بيدك

واسعد زوجك بين أحضانك

هنا نصيب البشر في هذه الحياة”

لكن جلجامش على لقاء أوتونبشتم، ويعرض على الملاح أورشناني أن يساعده على عبور بحر الموت، لكن أورشناني يقول له:

“قد حالت يداك دون عبورك

اذ قمت بكسرالصّور الحجرية

فالصّور الحجرية الآن مهشمة.”

ولا يجد جلجامش مناصاً من قطع مائة وعشرين شجرة، لكي يستخدمها في دفع القارب إلى الأمام ؛ لأنّه يمنع لمس مياه بحر الموت، ومن يلمسها يموت. ويمر بمرحلة طويلة وشاقة في بحر الموت برفقة أورشنابي وصولاً إلى مكان سكنى أوتونبشتم.

اللوح الحادي عشر

يسمي البعض هذا اللوح لوح الطوفان؛ لأن هذا الطوفان يتحدث بالتفصيل عن قصة الطوفان الذي دمّر الأرض، وأباد البشرية إلا من ركب السفينة.

فعندما وصل جلجامش إلى أرض أوتونبشتم، دهش لمنظره عندما رآه رجلاً عادياً، فقال له:

“أنظر إليك يا أوتونبشتم

شكلك عادي، وأراك مثلي

نعم شكلك عادي وأراك مثلي.

قد صورك لي جناني على أهبة القتال”

ثم تساءل عن سبب حصول أوتونبشتم على هذا الخلود، فقص الثاني عليه قصته، وقصة نجاته من الطوفان. فقد أزعج البشر الآلهة، ومنعوها من النوم، فقررت الآلهة أن ترسل عليهم طوفاناً ليغرقهم جميعاً، ولكن الإله إيـا أفشى السّر ونقله إلى أوتونبشتم، الذي أخذ ببناء سفينته، ذات سبعة طوابق، وأخذ يجهز نفسه للحظة الرحيل. وهي اللحظة التي أخذت السماء تمطر فيها لدرجة أخافت الآلهة ذاتهم:

“حتى الآلهة ذعرت من هول الطوفان

هرب جميعهم صعداً نحو سماء آنو

ربضوا عند الجدار الخارجي، ككلاب مرتعدة

صرخت عشتار كامرأة في المخاض”

وبعد ستة أيام توقف المطر وأصبحت السفينة وحيدة، فوق سطح البحر، ثم استقرّت على جبل، ثم أطلق أوتونبشتم حمامة لتتأكد من وجود مستقراً، ولكنها عادت خائبة الرّجاء، أما الغراب الذي بعثه للهدف ذاته، حطّ على الطعام عندما وجد الماء قد انحسر ولم يعد.

وعندما اكتشفت الآلهة أن بعض البشر قد نجوا من الهلاك بسبب مساعدة أوتونبشتم، وهبه وزوجته الخلود، وجعلتهما من الآلهة.

وفي هذه اللوحة من الملحمة يتوسط أوتونبشتم عند الآلهة لتهب الخلود لجلجامش، فتشترط الآلهة لذلك أن يبقى مستيقظاً ستة أيام وسبع ليال، ولكنّه يفشل في ذلك، ويقرّر العودة كسيراً إلى بلاده.

لكن زوجة أوتونبشتم تشفق على عودة جلجامش إلى بلاده خالي الوفاض، فتسأل زوجها أن يعطيه شيئاً فدلّ أوتونبشتم جلجامش على نبتة شوكية تعيد الشباب وهي في قاع أحد البحيرة، والحصول على تلك النبتة يسّر جلجامش، ويقرر أن يحمل العشبة إلى بلده ليطعم منها العجزة فيعودون شباباً، ولكن في الطريق وإبان إنشغال جلجامش بالإغتسال تختلسها حية وتبتعد.

وقد استطاعت الحية بفعل ذلك النبات السحري أن تجدّد شبابها على الدّوام بنزع جلدها كلّ عام، ومما لا شك فيه أن هذه الأسطورة أصل اتخاذ صورة الحية رمزاً للحياة والشفاء والتطبيب عند اليونانية، وفي العصر الحديث. كما يصّح أن نربط هذه الأسطورة بصورة العداء الذي استحكم بين الحية وبين ذرية حواء من بعد حادثة الإغواء. فقد فرض الله على آدم وحواء بالإضافة إلى إخراجهما من الجنة العداء المستحكم بين الحية وبين ذريتها”([21]).

“وبهذا نالت الحية ما لم يستطيع الإنسان نواله. ومما لا شك فيه أن هذا الجزء من الملحمة يعدّ مثالاً واضحاً لما يسمى بالأسطورة التعليلية، أيّ التي تعلّل حدثاً ما، أو تشرح سبب وقوعه، وهنا نجد تعليل واقعة تغيير الحية لجلدها بربطها بأسطورة أكلها لزهرة معينة”([22]) وهي زهرة  جلجامش.

وبذلك تكون الحية هي الرابح الوحيد في نهاية المطاف كما يقول فاضل علي: “لأنها حصلت على النباتات السّحريّة، وأصبحت تنعم بشباب متجدّد على الدوام، فتنزع عن جلدها كلّ عام”([23]).

اللوح الثاني عشر

الحدث الدرامي في هذا اللوح يسير ببطء شديد، ولا يقدم الكثير، فجلجامش يعود كسيراً من رحلته، يتذكر صديقه (إنكيدو) ويبكي وحشته، ويكرّس كلّ طاقته وجهده في سبيل خدمة بلده (أوروك) وتختم الملحمة بذات الجمل التي فتحت بها :

“الحكماء السبعة من أرسى له الأساس.

شار واحد للمدينة، وشار للبساتين، وآخر للمروج

والبقية أرض بلا زرع أو بناء لمعبد عشتار

ثلاث شارات والأرض غير المزروعة في مدينة أوروك”

فجلجامش يكتشف أنّ خلود الإنسان في عمله الصالح، وفي مآثره الجليلة وفي حبّه للغير، وليس في الخلود والشباب الذي لا يفنى.

الهوامش

[1] )  يسمى أيضاً اركال وهو الإله الرئيسي في العالم السفلي.

[2] ) مرجع سابق. ص. ص (75-153) ؛ وفراس السّواح – جلجامش ملحمة الرّافدين الخالدة، مرجع سابق، ص.ص (107-235). عشتار بالسومريّة (إنّنين، إنّينا، إنّانا) وهي إلهة الحب والجنس والحرب. سيدة أوروك ونينوي وإربيل، وأبوها هو الإله آنو، من مشتقات اسمها نجمة الصباح، نجمة المساء، الوردة.

[3] ) لقب البقرة من الألقاب الإلهية في ثقافات الشرق القديم.

[4] ) آرورو : اسم يطلق على الآلهة الوالدة العظيمة.

[5] ) آنو : هو إله آوروك، زوج آنتو، وإلد إنليل وعشتار، وهو رئيس جبل الآلهة القدماء.

[6] ) ننورتا : ابن انليل، وكان ننورتا إلهاً محارباً اشتهر بقتاله لأكثر من وحش خرافي .

[7] ) من الجدير بالذكر القول إنّ العهر كان يمارس في الماضي على شكل عبادة مقدسة ترتبط بوظيفة دينية ذات اعتقاد خاص بالخصوبة والإنبات، وفي عقيدة  أساسية في البيئة الزراعية، فقد كانت المرأة تتقرّب إلى الآلهة من خلال نذر جسدها للعبادة الجنسية حيث تدفع كل ما تحصل عليه من نقود مقابل البغاء الى المعبد، وكانت المرأة البغي المقدسة تنال الاحترام من المجتمع بل والتقديس أحياناً، وفيما بعد تستطيع ترك البغي والزواج . وقد كانت النّساء من كلّ الطبقات وبمن في هذا نساء الإيمان  يقبلن على هذا النوع من البغاء . أنظر ـ فراس السواح ـ لغز عشتار .ط1، سومر للدراسات والنشر، برص 1985، ص 190، ص 183، محمد خليفة محمد ـ الأسطورة والتاريخ في التراث الشرقي القديم، مرجع سابق، ص11 ؛ فاضل علي ـ سومر أسطورة وملحمة، مرجع سابق، ص ص (207 ـ 208)

[8] ) عنيت ثقافة بالد الرافدين بتفسير الأحلام، وكان التفسير ضرورياً لكلّ حلم، ولا سيما الأحلام المزعجة .

([9] قاسم المقداد ـ هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي، مرجع سابق، ص 166 .

[10] ) ورد في بعض الترجمات باسم ( خمبابا )

[11] )

[12] ) شمس : بالسومرية – أوتو إله الشمس، إله مدينتي زيبار ولارسا . لقبه شمشي، ويعني صاحب الجلالة، ويمنح للملوك الفنانين.

[13] ) الطاليين، وزنه بابلية تعادل ستين رطلاً.

[14] ) الفتية المندورين : هم المخنثون الذين يمارسون البغاء المقدس .

[15] ) يرى بعض الكتاب أن غابة الأرز تقع في لبنان.

[16] ) عشتار كانت الآلهة الحامية لمدينة أوروك.

[17] ) أنظر لبعض من عشق عشتار في : خزعل الماجدي ـ إنجيل سومر، مرجع سابق،ص 70، ص 107، ص 106، ص 163، ص 74، ص 71، ص 108، ص 75، ص 108، ص 75، ص 78، ص 93.

[18] ) اريشكجال : إلهة العالم السفلي.

[19] ) فراس السواح ـ لغز عشتار الألوهية المؤنثة، وأصل الدين والأسطورة، مرجع سابق، ص 213.

[20] ) [ …. ] تعني أن هذ الجزء من اللوح مهشم غير واضح لا يستطيع المترجم قراءة أيٍّ منه.

[21] ) طه باقر – مقدمة في أدب العراق القديم، مرجع سابق، ص 28.

[22] ) محمد خليفة محمد – الأسطورة والتاريخ في التراث الشرقي القديم، ص 143.

[23] ) فاضل عبد الواحد علي – سومر أسطورة وملحمة، مرجع سابق . ص 248.

المصادر والمراجع

  • آمنه يوسف – تقنيات السّرد في النظرية والتطبيق، ط1، دار الحوار للنشر والتوزيع، دمشق، 1997.
  • أرسطو طاليس – فن الشّعر، تحقيق وترجمة عبد الرحمن يدوي، ( أسلوب المحاكاة) ط2، دار الثقافة، بيروت، 1973.
  • نبيله ابراهيم – أشكال القهر في الأدب الشّعبي، ط1، دار نهضة مصر، القاهرة، 1970.
  • جبار عوده العبدي وصلاح مهدي القصب – مدخل في الدراما وتدرجها التاريخي، ط1، دار الفتح، بغدا، 1992.
  • خزعل الماجدي – إنجيل سومر، ط1، الأهلية للنشر، عمان 1998.
  • ستيفاني دالي – أساطير من بلاد مابين النهرين، ترجمة نجوى نصر. ط1، دار جامعة أكسفورد للنشر، نيويورك، 1991.
  • سعد عبد العزيز-الأسطورة والدراما، ط1، المطبعة الفنية الحديثة، القاهرة،
  • سمير سرحان – مبادئ علم الدراما، ط1، منشورات مركز الشارقة للإبداع الفكري الشارقة، 1990.
  • صموئيل نوح كريمر – الأساطير السومرية، ترجمة يوسف عبد القادر، ط1، مطبعة المعارف، بغداد، 1971.

10- طه باقر – مقدمة في أدب العراق القديم، ط 1، جامعة بغداد – بغداد،1976.

11- فاضل عبد الواحد علي – سومر أسطورة وملحمة، ط1، الأهالي للطباعة والنشر، دمشق.

12- فراس السّواح – جلجامش ملحمة الرافدين الخالدة، ط1، منشورات دار علاء الدين

دمشق، 1996.

13- فراس السّواح – لغز عشتار، ط1، سومر للدراسات والنشر، قبرص، 1985.

14- مارتن أسلن – تشريح الدراما، ترجمـة يوسف ثروت، ط2، مكتبة النهضة، بغداد، 1984.

15- محمد أحمد – الأسطورة والتاريخ في التراث الشرقي القديم، ط 1، دار آفاق الأدبية

بغداد، 1988 .

16- محمد أحمد القضاة – التشكيل الروائي عند نجيب محفوظ، ط1، المؤسسة العربية

للدراسات بيروت، 2000.

17- محمد عصمت حمدي – الكاتب العربي والأسطورة، المجلس الأعلى لرعاية

الفنون والآداب، القاهرة، 1986 .

18- وليد منير – جدلية اللغة والحدث في الدراما الشعرية العربية الحديثة، ط1،

الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 1997.

الفهرست

 

الصفحة                 العنوان

الفصل الأول :  ( السرد الدرامي )

1                  السرد الدرامي في ملحمة جلجامش

2                  السرد

5                  الأسطورة والدراما

الفصل الثاني : ( مدخل تاريخي إلى الملحمة )

7                جلجامش بين الملحمة والأسطورة

8                سبب تأليف هذه الملحمة

8                إنسانية ملحمة جلجامش

8                شخصية جلجامش

9                مدينة جلجامش

9                مؤلف الملحمة

15                مصادر ملحمة جلجامش

15                هل وصلت ملحمة جلجامش كاملة

16                 ملحمة جلجامش تنشر في العصر الحديث

الفصل الثالث : ” السير الدرامي في ملحمة جلجامش ”

18                السير الدرامي في ملحمة جلجامش

20                الشخصيات الأسطورية في الملحمة

21                الأماكن الأسطورية في الملحمة

22                الأماكن الأسطورية في الملحمة

23                عالم الكائنات الأسطورية

24                نمو الحدث الدرامي في الأسطورة

39                الخاتمة

40               المصادر والمراجع

42                الفهرست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *