النقد لرواية ( حلم في جسدي) للروائية ” حبيبة المحرزي” وتظل القصة مبتورة

النقد لرواية ( حلم في جسدي) للروائية " حبيبة المحرزي" وتظل القصة مبتورة
في عالمٍ تتصارع فيه الهويات وتتنازعه الثوابت الاجتماعية، تأتي رواية "حلم في جسد" للكاتبة التونسية "حبيبة المحرزي" لتعكس أزمة إنسانية...

في عالمٍ تتصارع فيه الهويات وتتنازعه الثوابت الاجتماعية، تأتي رواية “حلم في جسد” للكاتبة التونسية “حبيبة المحرزي” لتعكس أزمة إنسانية معاصرة:،صراع الذات مع جسد لا يعبر عنها، ومجتمع يرفض كل ما يخرج عن نطاق “المألوف”. من خلال شخصيتي “فرح” و”صابرين”، تطرح الرواية إشكالية العوز المزدوج — الجسدي والنفسي — وتكشف عن تعقيدات الهوية الجندرية في بيئة تقليدية ترفض التمايز. السرد هنا لا يقدم حلولا جاهزة، بل يترك القارئ أمام أسئلة مؤرقة، كيف نعيش حين يكون جسدنا سجنا لذواتنا؟ وهل يمكن للقبول الاجتماعي أن يشفى جراحا نزفت لسنوات؟

* ثنائية المعاناة

تتقاطع معاناة الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية — “فرح” المضطربة جندريا، و”صابرين” ذات الإعاقة الجسدية — لترسم خريطة للألم الإنساني. بينما يعاني الأخير من قيود ملموسة، تواجه “فرح” عوزا وجوديا: رفض الأب والأخ، وتفكّك الأسرة، ولجوء إلى مجتمعات هامشية تشاركها نفس المصير. السرد يوجه القارئ تلقائيا نحو توقع نهاية مأساوية (كالانتحار)، لكن الكاتبة تدخل عنصرا مغايرا” المعالجة النفسية”، التي تمثِّل جسرا بين الذات والمجتمع. هنا، تؤجل المحرزي الاصطدام الحتمي عبر شخصيات مساعدة (كشاكر)، لكنها تترك السؤال معلقا: هل يكفي “التصالح مع الذات” لإنهاء معاناة يغذيها المجتمع يوميا؟

*الشخصيات المركبة

تتسم شخصية “فرح” بتعقيد ذكر بصعوبة تناول الشخصيات الهامشية في الأدب — كالعاهرات أو المضطربين جندريا — كما في أعمال “دوستويفسكي”  (سونيا) في رواية “الجريمة والعقاب” أو “نجيب محفوظ”، العاهرة (نور) في رواية” اللص والكلاب” حيث غالبا ما تقدم هذه النماذج بشكل سطحي أو كاريكاتوري. لكن المحرزي تتجاوز هذه الإشكالية عبر “النهاية المفتوحة”، التي تمنح القارئ مساحة لتأويل مصير “فرح” دون إجابات جاهزة. هذا الخيار يبرز ذكاء روائيا، فالنهاية “المبتورة” — كما تصفها الكاتبة — تعكس واقع اضطراب الهوية نفسه٫ صراعٌ لا ينتهي.

*الانتحار كرسالة

تكشف الرواية أن محاولة انتحار “فرح” لم تكن سوى رسالة يائسة للمجتمع: “أنا هنا، أنا موجودة”. التحليل النفسي في النص يظهر أن الجرح لم يكن عميقا، ما يؤكّد أن الهويات المهمشة تبحث عن “اعتراف” أكثر من بحثها عن الموت. ومع ذلك، يبقى تدخل المعالجة النفسية لحظة مفصلية، إذ تعيد توجيه السرد من مسار التدمير الذاتي إلى مسار التصالُح “نترك الآخرون وشأنهم. المهم أن تتصالحي مع نفسك. عليك أن تقرري من أنت، وسيجبر الآخرون وكل العالم، على تقبلك والتعامل معك، كما تريدين لا كما يريدون.هذا هو المبدأ.أفكارهم وآراؤهم وأقوالهم عنك، يجب ألا تتحكم في مصيرك.”ص239

*شاكر: المنقذ والمستغل

تمثل شخصية “شاكر” مفارقة درامية: فهو من ناحية يشعر “فرح” بأنوثتها عبر إعجابه بها، لكنه سرعان ما يتحول إلى نموذج ذكوري استغلالي، يستفيد من هشاشتها النفسية لتحقيق رغباته. هذا التناوب بين “المنقذ” و”المعتدي” يطرح إشكالية “الرضا المشوه” في العلاقات، حيث تختلط مشاعر “فرح” بين الانتماء الجنسي والندم، لتعيد إنتاج دائرة العنف النفسي التي هربت منها. ” سأكون صريحا معك. اسمعيني . أنت في عداد الإناث الآن وقريبا ستصرين ذكرا وستنتهي الأنثى التي فيك، وستكون مجرد ذكرى، لذا دعينا نستمتع معا”ص287 . ويبدو أنها استجابة له بدلا ان تقتله كما كانت تفكر”كل القنوات والصفحات ستكتب بالخط الأحمر “قتلته لأنه أرادها لاستعمال واحد أخير قبل التغيير….أكانت مذنبة؟ أكانت غبية؟ لو رأتها صابرين في هذه (الوضعية) لتفت على  وجهها ، لسبتها وعيرتها بالضعف “لماذا لم تهربي؟ لماذا لم تصرخي؟ هل شلت رجلاك؟”ص288 .

*النهاية المفتوحة: جراح لا تغلق

تنتهي الرواية بتحولات درامية

— موت الأب، بالنسبة لصابرين بحادث سير مع وجود تعويض مالي كبير  من شركة التأمين يدفع المحامي الى اغراء أرملة سي الهادي زهور إلى ( الحمل) حتى لا يذهب التعويض إلى صابرين!

– هجرة “فرح” مع أهلها الى مدينة اخرى— وجملة الأب القاسية: “ولي الحرية  أن أتحول حتى إلى حيوان”. العبارة تلخص رفض المجتمع المُطلق لأية هوية غير نمطية. لكن عبارة “وتظل القصة مبتورة”— التي تختتم بها المحرزي روايتها — قد تكون الأصدق تعبيرا عن واقع الهويات المضطربة: صراع لا نهاية له، وقصص تظل مفتوحة على الألم.

*الخاتمة

“حلم في جسد” ليست مجرد رواية عن اضطراب الهوية الجندرية، بل هي “مرآة تكسر صمت المجتمعات العربية” أمام كل ما هو غير تقليدي. عبر لغة سردية تخلط بين النفسي والاجتماعي، تمكنت حبيبة المحرزي من خلق عالم روائي مؤلم بصدقيّته، حيث تتدفق الأسئلة دون إجابات. النهاية المفتوحة هنا ليست ضعفا، بل قوة: فهي تجبر القارئ على مواجهة استمرارية المعاناة، حتى بعد انتهاء الصفحات. ربما تكون هذه الرواية خطوة أولى في أدب عربي جري، يرفض أن يبقى السرد مجرد تسلية، ليكون صوتا للذين يحاصرون بأجساد لا تشبههم.

رواية تستحق القراءة ومزيدا من الاهتمام النقدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *